الصفحة 26 من 44

أو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ مِنَ الشيطانِ والنَّفسِ، لِتَسَلُّطِهِمَا عَلَيْهِ وَمُطَاوَعَتِهِ أَمْرَهُمَا، فَمِنْهُم مَنْ يُعْتِقُهَا بِمُخَالَفَتِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْلَكُ لِطَاعَتِهِ لَهُمَا، واللَّهُ أَعْلَمُ.

الحديثُ الرابعُ والعشرونَ

عَن أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: (( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَما يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ) )رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .

(1) تَرْجَمَةُ الصَّحابِيِّ رَاوِي الحَدِيثِ: (ذُكِرَتْ في الحَديثِ الثَامِنَ عَشَرَ)

الشَّرْحُ:

عَنْ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ اللَّهِ عزَّ وَجَلَّ [مِنَ] الأحاديثِ القُدُسِيَّةِ - وَالْحَدِيثُ القُدُسِيُّ: كَلامُ اللَّهِ المَحْكِيُّ عَنْهُ، بِكَلَامٍ غيرِ مُعْجِزٍ وَلَا مُتَعَبَّدٍ بهِ - أَنَّهُ قَالَ:

(( يَا عِبَادِي ) ): نَادَاهُم وَأَضَافَهُمْ إِلَيْهِ بِلَفْظِ العِبَادِ، لِيُصْغُوا إِلَى مَا يُلْقِي إليهِمْ وَيَأْخُذُوهُ بِالاعتِنَاءِ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ وَظِيفةَ العَبْدِ قَبُولُ وَصِيَّةِ السَّيِّدِ.

(( إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ) )أَيْ: عَامَلْتُ مُعَامَلَةَ مَنْ يُحَرِّمُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِهِ بِأَنْ لا أُؤَاخِذَ عِبَادِي بِغَيْرِ ظُلْمٍ مِنْهُم أَنْفُسَهُمْ، فَإِذَا ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم آخُذُهُمْ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العُقُوبَةِ، أَوْ أَعْفُو مَعَ أَنَّ المُلْكَ مُلْكِي، وَالْخَلْقَ خَلْقِي، ولَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ.

(( وَجَعَلْتُهُ مُحَرَّمًا بَيْنَكُمْ ) )لِتَتَخَلَّقُوا بِخُلُقِي، وَتَتَقَيَّدُوا بِقَيْدِ عُبُودِيَّتِي، وَتَنْجُوا مِنْ وَبَالِ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ (( فَلَا تَظَالَمُوا ) ): فَلَا يَظْلِمْ بَعْضُكُم بَعْضًا؛ لأنَّهُ لَا اعْتِدَاءَ، واللَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، وَجَزَاؤُهُم على القَهَّارِ الذي يَسْجُنُ الظَّالِمَ في سِجْنِ النَّارِ.

(( يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ ) )عَنْ طريقِ الهُدَى، لا تَهْتَدُونَ إِليْهَا بِأَنْفُسِكُمْ (( إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ) )سَبِيلَ الهُدَى، وَعَرَّفْتُهُ طَرِيقَ الرَّدَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت