الحديثُ الثالثُ والعشرونَ
عَنْ أَبي مَالِكٍ - الحارِثِ بنِ عاصِمٍ - الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .
(1) تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحَديثِ:
الحارِثُ بنُ عاصمٍ الأَشْعَرِيُّ، مَاتَ في طَاعُونِ عَمْوَاسَ، في خلافةِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
عَنْ أبي مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ) )أَي: الوُضُوءُ جُزْءُ الدِّينِ، أَيْ: جُزْءُ الصَّلَاةِ، أَيْ: شَرْطُهَا، أَوْ تَطْهِيرُ القَلْبِ عَن اعْتِقَادِ حَقيقَةِ الباطلِ نِصْفُ (( الْإِيمَانِ ) )؛ إذِ الْإِيمَانُ مُرَكَّبٌ مِن اعْتِقَادِ الْحَقِّ حَقًّا وَالبَاطِلِ بَاطِلًا، أَوْ تَطْهِيرُ البَدَنِ عَنْ أرجَاسِ الأَوْزَارِ، نِصْفُ الدِّينِ؛ إِذ الدِّينُ مُرَكَّبٌ مِنْ فِعْلِ الخَيْرَاتِ وَتَرْكِ السَّيِّئَاتِ.
(( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ ) )لو فُرِضَ لهَا جِسْمٌ، أَوْ أَنَّ الأعمالَ لَها أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورَانِيَّةٌ، إِنْ كَانَتْ حَسَنَاتٍ، وَظُلْمَانِيَّةٌ إنْ كانَتْ سَيِّئَاتٍ، (( وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ ) )هذِهِ الجُمْلَةُ (( مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) )
(( وَالصَّلَاةُ ) )المَقْبُولَةُ (( نُورٌ ) )في القَلْبِ، أَوْ عَلى الوَجْهِ، أَوْ في القَبْرِ، أَوْ يومَ القِيَامَةِ، (( والصَّدَقَةُ ) )الطَّيِّبَةُ الخَالِصَةُ (( بُرْهَانٌ ) )عَلَى إيمانِ المُتَصَدِّقِ وَحُبِّهِ لِلَّهِ؛ لأنَّ المالَ مَحْبُوبٌ طَبْعًا، فَمَنْ صَرَفَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى عُلِمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ وَمُحِبُّهُ، (( وَالصَّبْرُ ) )عن السَّيِّئَاتِ بِتَرْكِهَا، والتَّوْبَةِ عَنْهَا، وعَلى الطاعاتِ بِأَدَائِهَا كَمَا يَنْبَغِي، وعَلى البَلَايَا بِالرِّضَى بِهَا، والاسْتِرْجَاعِ عِنْدَهَا، (( ضِيَاءٌ ) )يَسْتَضِيءُ بِهَا الصابِرُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَيُمَيِّزُ بِهِ بينَ الخَيْرِ والضَّيْرِ.
(( وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ ) )نَافِعَةٌ (( لَكَ ) )إنْ أَدَّيْتَ حَقَّهُ مِنْ تِلَاوَتِهِ والعَمَلِ بهِ، (( أَوْ ) )حُجَةٌ (( عَلَيْكَ ) )إِنْ قَصَّرْتَ في حَقِّهِ، بِتَرْكِ تِلَاوَتِهِ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ القُرْآنِ إلَّا مَنْ يَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَأَجَلُّ وَأَغْنَى وَأَكْبَرُ مِمَّا عَدَاهُ، وأَنَّ العَبْدَ أَذَلُّ وَأَحْقَرُ وَأَجْهَلُ وأَفْقَرُ إلى مَوْلَاهُ، وذلِكَ الجليلُ مَنَّ عَلَى العبدِ الذَّلِيلِ فَأَرْسَلَ إليهِ بِوَاسِطَةِ أَفْضَلِ (( الرُّسُلِ ) )كِتَابًا كَرِيمًا مُبَيِّنًا لِمَا يَتَعَلَّقُ بالعَقَائِدِ والأَعَمَالِ مُوَضِّحًا لِلطَريقِ الذي يُوصِلُ إلى ذِي الجلالِ وَالجَمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَوْ أَرْسَلَ مَكْتُوبًا، إلى مَنْ دُونَهُ كَيْفَ يَفْرَحُ المُرْسَلُ إليهِ وَيَرَاهُ مِنَّةً عَظِيمَةً عليهِ. فيَا فَوْزَ مَنْ جَعَلَ كِتَابَ سَيِّدِهِ وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ، وَيَا خَسَارَةَ مَنْ رَمَى وَرَاءَ ظَهْرِهِ مَا أَعْطَاهُ.
(( كُلُّ النَّاسِ ) )الذينَ يَجْرِي عليهِمْ قَلَمُ التَّكْلِيفِ بِالعَقْلِ والبُلُوغِ (( يَغْدُو ) ): يَخْرُجُ مِنْ حَدِّ عَدَمِ التَّكْلِيفِ، إلى حَدِّ التكليفِ، (( فَبَائِعٌ نَفْسَهُ ) )مِنْ رَبِّهِ بعَقْدِ الإسْلامِ وَالإيمَانِ، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة الآية: 111] .
(( فَمُعْتِقُهَا ) ): فَمِنَ الناسِ مَنْ يُعْتِقُهَا مِنْ عِقَابِهِ، وَيُعَوِّضُهَا ثَوَابَهُ، بِامْتِثَالِ مَا بِهِ أُمِرَ، وَاجْتِنَابِ مَا عَنْهُ زُجِرَ.
(( أَوْ مُوبِقُهَا ) )مِنْهُمْ مَن يُهْلِكُهَا بِالاسْتِحْقَاقِ لِعِتَابِهِ وَعِقَابِهِ وَالْحِرْمَانِ مِنْ ثَوَابِهِ، بِارْتِكَابِ المَنْهِيَّاتِ وَتَرْكِ المَأْمُورَاتِ.