الصفحة 20 من 44

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ عَارِفًا، والمُلْكُ والخَلْقُ للَّهِ، والتَّصَرُّفُ لَهُ، ولا يَنْبَغِي لِلعَبْدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ في مُلْكِ سَيِّدِهِ وَعَبِيدِهِ إلَّا بالقَدْرِ الذِي أَبَاحَهُ، وعَلى الوجْهِ الذي أَحَبَّهُ، ولَا يَعْتَدِي؛ لأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ المُعْتَدِينَ.

الحديثُ الثامنَ عَشَرَ

عَنْ أَبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ، وأَبي عَبْدِ الرَّحمنِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنْ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) ). رَوَاهُ التِّرمِذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ، وفي بعضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صحيحٌ (1) .

ترجمةُ الصَّحَابِيَّيْنِ:

1 -جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ الغِفَارِيُّ، كَانَ من المُلْهَمِينَ بالخَيرِ في الجاهليَّةِ، والزَّاهِدِينَ في الدُّنْيَا، أَسْلَمَ قَدِيمًا [و] مَاتَ بالرَّبَذَةِ سَنَةَ إِحْدَى أو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ [وَتَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ، فلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرةٌ جِدًّا، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ] .

2 -مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ الأَنْصَارِيُّ [الخَزْرَجِيُّ] ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، شَهِدَ العَقَبَةَ والمَشَاهِدَ كُلَّهَا، [وكانَ إليهِ المُنْتَهَى في العِلمِ بالأحكَامِ والقُرْآنِ، و] هُوَ مِنْ فُقَهاءِ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَّائِهِمْ، مَاتَ بِنَاحِيَةِ الأُرْدُنِّ بالطَّاعُونِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، عَنْ بِضْعٍ وثلاثِينَ سنةً، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

الشَّرحُ:

[عَنْ أبي ذَرٍّ وأبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ] رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا قَالَا: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اتَّقِ اللَّهَ ) )الذي لا يَخْفَى عليهِ خَافِيَةٌ (( حَيْثُمَا كُنْتَ ) )في أَيِّ مَكَانٍ كُنْتَ؛ حَيثُ يَرَاكَ النَّاسُ، وَحَيْثُ لا يَرَوْنَكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ الذي يَنْبَغِي تَقْوَاهُ، مَعَكَ أَيْنَمَا كُنْتَ، وَأَقْرَبُ إليكَ مِنْ حَبْلِ الوَريدِ، وَرَقِيبٌ عَلَيكَ، عَالِمٌ بِظَاهِرِكَ وَبَاطِنِكَ، لا يَخْفَى علَيْهِ شيءٌ مِنْ أَمْرِكَ، [والتقْوَى دَرَجَاتٌ] :

الدَّرَجَةُ الأُولَى مِن التَّقْوَى: اتِّقَاءُ أَنْوَاعِ الكُفْرِ كُلِّهَا وَتَحْصِيلُ الإيمانِ.

والوُسْطَى منهُ: تَحْصِيلُ المَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ المَنْهِيَّاتِ.

والأَعْلَى مِنْهُ: قَطْعُ العَلائِقِ كُلِّهَا، والكَوْنُ للَّهِ تَعَالى ظَاهِرًا وبَاطِنًا في عُمُومِ الأَوْقاتِ والأَحْوَالِ.

والتَّقْوَى خيرُ الزَّادِ والمَعَادِ، وَأَهْلُهَا الكُرَمَاءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالى.

(( وَأَتْبَعِ السَّيِّئَةَ ) )إنِ ابْتُلِيتَ بِهَا (( الحَسَنَةَ ) )، إنِ ارْتَكَبْتَ سَيِّئَةً فَأْتِ بعدَهَا حَسَنَةً، (( تَمْحُهَا ) )تَمْحُ الحَسَنَةُ السَّيئةَ؛ لأنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. وَالسَّيِّئَاتُ كَالنَّارِ تُحْرِقُ أَرْبَابَهَا، وَالحَسَنَاتُ كَالمَاءِ تُطْفِئُهَا.

[و] مِنَ الناسِ مَنْ يَصْرِفُ عُمُرَهُ في الحَسَنَاتِ، فَذَلِكَ الرابِحُ، ومِنْهُمْ مَنْ يَصْرِفُهُ في السَّيِّئَاتِ، فَذَلِكَ الخَاسِرُ، [وَ] مِنْهُمْ مَنْ يَصْرِفُهُ فِيهِمَا، فَذَلِكَ الَّذِي يُقَابَلُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، وَتكُونُ مُكَفَّرَةً بِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت