(( وَخَالِقِ النَّاسَ ) )الذينَ يَنْبَغِي حُسْنُ الخُلُقِ مَعَهُم، (( بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) )في الأَقْوَالِ والأَفْعَالِ، وغيرِ ذَلكَ، مِنْ غيرِ أَنْ تَخْرُجَ في ذَلِكَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ.
الحديثُ التاسعَ عَشَرَ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ:(( يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي روايةِ غيرِ التِّرْمِذِيِّ: (( احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ) (1) .
(1) [تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحَديثِ:]
[أَبو العَبَّاسِ] عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسِ [بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ , ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ] دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، فَكَانَ بَحْرًا في العُلُومِ، [وهُوَ أَحَدُ المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابةِ، وأَحَدُ العَبَادِلَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحابَةِ] مَاتَ بالطَّائِفِ سَنَةَ ثمانٍ وستِّينَ، عَنْ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً.
الشَّرْحُ:
عَنْ أبي العَبَّاسِ (قَالَ: كُنْتُ) رَاكِبًا عَلى الدَّابَّةِ (خَلْفَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا) مِنَ الأَيَّامِ (فَقالَ) : (( يَا غُلَامُ ) ): نَادَاهُ لِيُصْغِيَ إليهِ، وَيَأْخُذَ مَا يُلْقِي إليهِ بِاهْتِمَامٍ، (( إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ) )مُشْتَمِلَةً عَلى عُلُومٍ كَثيرةٍ، فَخُذْهَا مِنِّي وَاعْمَلْ بِهَا ولا تَنْسَهَا (( احْفَظْ ) )حُقُوقَ (( اللَّهِ ) )الظَّاهِرَةَ والباطِنَةَ (( يَحْفَظْكَ ) )مِنْ كُلِّ سوءٍ في الدُّنيَا والعُقْبَى؛ لأنَّ الحافِظَ مَحْفُوظٌ.
(( احْفَظِ اللَّهَ ) )في قَلْبِكَ وعَلى لِسَانِكَ، ولَا تَغْفُلْ عَنْ ذِكْرِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، (( تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ) )يُهَيِّئْ لَكَ الخَيْرَ وَيَدْفَعْ عَنْكَ السُّوءَ: مَنْ كَانَ للَّهِ كَانَ اللَّهُ لَهُ.
(( وَإِذَا سَأَلْتَ ) )أَيْ: إذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ شَيْئًا، (( فَاسْأَلِ اللَّهَ ) )الذي بِيَدِهِ الأُمورُ كُلُّهَا، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ مِنْهُ، ويَكْرَهُ السُؤالَ مِنْ غَيْرِهِ , [وَ] لَوْ كَانَ لإنسانٍ بَصِيرَةٌ لَعَلِمَ أَنَّ السؤالَ مِنْ غَيرِ الغَنِيِّ قِلَّةُ حَيَاءٍ وجَهْلٌ وَسُوءُ أَدَبٍ.
(( وَإِذَا اسْتَعَنْتَ ) )فِي شَيءٍ (( فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) )؛ فَإِنَّهُ القَادِرُ عَلى كُلِّ شَيءٍ؛ لَا بِغَيْرِهِ، إذْ هُوَ [أَيْ: هَذَا الغَيْرُ] عاجِزٌ عَنْ أُمورِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُعِينُكَ على أُمُورِكَ.
حُجِبَ الخَلْقُ عَنْ ربِّ الأرْبَابِ بالأسْبَابِ، [و] لَوْ كَشَفَ لهُمْ لَعَلِمُوا وَعَايَنُوا أنَّهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ في المُسَبَّبَاتِ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [سورة آل عمران: 154] .