(1) [تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحديثِ: تَقَدَّمَتْ في الحديثِ التاسعِ.]
الشَّرْحُ:
(عن أَبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي) بِمَا هُوَ خَيْرٌ لي، (قَالَ) مُوصِيًا لَهُ: (( لَا تَغْضَبْ ) ). (فَرَدَّدَ) الرَّجلُ السُّؤَالَ (مِرَارًا) فَقَالَ: (( لَا تَغْضَبْ ) )فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَيْها لِعِلْمِهِ بِعُمُومِ نَفْعِهَا.
وكانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكِيمًا يُرْشِدُ إلى كُلِّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لهُ، وَكانَ هذَا الرَّجلُ شَدِيدَ الغَضَبِ يَتَضَرَّرُ بهِ في أَمرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَالغَضَبُ جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ في القَلْبِ عِنْدَ مَكْرُوهٍ فَيَفُورُ منْهَا دمُ القَلْبِ، وَتَنْتَفِخُ الأَوْدَاجُ وَيَذْهَبُ العَقْلُ، وَتَخِفُّ الحَرَكَاتُ، وَتَنْشَأُ مِنْهَا الهيئةُ القبيحَةُ، والأَقْوالُ الشَّنِيعَةُ، والفِعَالُ الذَّميمَةُ والأخلاقُ الرَّدِيَّةُ، والحَسَدُ، والحِقْدُ، والعَدَاوَةُ، وانتقَامُ المَغْضُوبِ عَليْهِ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَ، وإِرادَةُ السُّوءِ له، والشَّمَاتَةُ بمَصَائِبِهِ، والغَمُّ بِمُوجِبَاتِ سُرُورِهِ، وَإِخْفَاءُ مَحَاسِنِهِ، وَإِظْهَارُ مَعَائِبِهِ، وغَيرُ ذلكَ.
والغَضبُ المَنْهِيُّ عَنْهُ مَا كَانَ لِغَيرِ اللَّهِ تَعَالَى، ومَا كانَ لَهُ فَهُوَ مَطْلُوبٌ، وكانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْضَبُ، وإِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ غَضَبًا وَانْتِقَامًا لَهُ.
ولا يَفُوزُ بِتَرْكِ الغَضَبِ فيمَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وبالغَضَبِ فيمَا يَنْبَغِي الغَضَبُ لَهُ إلَّا مَنْ فَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ، وَصَارَ بِظَاهِرِهِ وباطِنِهِ لِربِّهِ، وعَلِمَ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ الأُمُورَ وَاقِعَةٌ بِإِرَادَتِهِ، عَلى وَفْقِ حِكْمَتِهِ، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنهَا شَيءٌ. وأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ ذَلِكَ كَرِهَ بَعْضَ الأُمورِ، وَرَضِيَ عَنْ بَعضِهَا فَيَرْضَى بما يَرْضَى بِهِ مَوْلَاهُ، وَيَغْضَبُ لِمَا يُغْضِبُ مَوْلَاهُ، وهذَا مقامٌ صَعْبٌ، لا يُحَصِّلُهُ إلَّا الرَّبَّانِيُّونَ المُحَمَّدِيُّونَ.
(2) تَرْجَمَةُ الصَّحابيِّ راوِي الحَدِيثِ:
[أبُو يَعْلَى] شَدَّادُ بنُ أَوْسِ بنِ ثابتٍ الأَنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ النَّجَّارِيُّ، نَزَلَ بيتَ المَقْدِسِ، وَمَاتَ بِهِ - وَقَبْرُهُ بِظَاهِرِ بابِ الرَّحْمَةِ - بعدَ الخَمْسِينَ مِنَ الهجرةِ عَنْ خمسٍ وسبعِينَ سنةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
عَنْ أبي يَعْلَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ ) )الرَّحِيمَ الرَّؤُوفَ بِخَلقِهِ (( كَتَبَ ) )أَوْجَبَ (( الْإِحْسانَ عَلَى ) )، [أَوْ] فِي، أَوْ إِلَى، أو لِأَجْلِ (( كُلِّ شَيْءٍ ) )يُمْكِنُ أَنْ يكُونَ أَهْلًا للإحسانِ، (( فَإِذَا قَتَلْتُمْ ) )مَنْ أَمَرَكُمَ اللَّهُ بِقَتْلِهِ، (( فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ) )بِكَسْرِ القَافِ، أي: هيئةَ القَتْلِ، بِأَنْ تَقْتُلُوهُ عَلى الوجْهِ الذي وَجَبَ عَلَيهِ شَرْعًا، ولَا تَزِيدُوا عَلى ذَلِكَ، مِنَ الجَدْعِ والمُثْلَةِ، ونحوِ ذَلك. (( وَإِذَا ذَبَحْتُمْ ) )مَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ ذَبْحَهُ (( فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ) )بِفَتْحِ الشِّينِ، أَيْ: لِيَجْعَلْ سِكِّينَهُ الَّتِي يَذْبَحُ بِهَا الذَّبِيحَةَ حَادَّةً (( وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) ): مَا يَذْبَحُ؛ فَإِنَّها تَتَعَذَّبُ عِنْدَ الذَبْحِ إِذَا لَمْ تَكُنْ آلَةُ الذَّبْحِ حَادَّةً.
[وَ] يَنْبَغِي للذَّابِحِ أَنْ لا يُرِيَ آلةَ الذَّبْحِ الذَّبِيحَةَ، ولا يُحِدَّهَا بِمَرْأَى مِنْهَا، ولا يَجُرَّهَا بِرِجْلِهَا.