تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة: 172] . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامَ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ )) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .
(1) تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحديثِ: ذُكِرَتْ في الحديثِ التَّاسِعِ.
الشَّرحُ:
عَنْهُ أَيْضًا [أَيْ: أَبي هُرَيرَةَ] قالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ: (( إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ ) )مَوصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ , مُنَزَّهٌ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ (( لَا يَقْبَلُ ) )مِنَ الأَعْمَالِ والأَمْوالِ (( إلَّا طَيِّبًا ) )خَالِصَةً وَحَلَالًا ومُسْتَلَذَّةً، فَلَا يُتَقَرَّبُ إِليهِ، ولا يُسْتَحَقُّ رَضَاهُ وثَوابُهُ [إلَّا] بِأَعمَالٍ زَاكِيَةٍ طَاهِرَةٍ عَنْ أَرْجَاسِ الشِّرْكِ والرِّيَاءِ والبِدَعِ، خَالِصَةٍ لوَجهِهِ وإِلَّا بِصَدَقَاتٍ حَلَالٍ ومُسْتَلَذَّةٍ مُنْفَقَةٍ في مَصَارِفِهَا خَالِصَةٍ لِوَجْهِهِ.
(( وَإِنَّ اللَّهَ ) )تَعَالى (( أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بهِ المُرْسَلِينَ ) )سَوَّى بَيْنَهُمْ، لِكَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ أَمْرًا مُهِمًّا لَا بُدَّ لِلعِبَادِ مَنْهُ (( فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ) )أَيْ: الحَلَالِ، {وَاعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا} . أَيْ: أَمَرَ اللَّهُ كَلَّ نبيٍّ في زَمَنِهِ: كُلْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَاعْمَلْ صَالِحًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} .
وقَدْ دَلَّ السِّيَاقُ عَلى أَنَّ المُرَادَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَا طَيَّبَهُ الشَّرْعُ، وهُوَ الحَلَالُ، ولَا يَأْكُلُ العبْدُ إذَا أَكَلَ [إلَّا] الحلَالَ، وَتَنَاوُلُ الحَرامِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(( ثُمَّ ذَكَرَ ) )صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ) )سَفَرَ خَيْرٍ، ودَعْوَةُ المُسَافِرِ مُسْتَجَابَةٌ كَمَا وَرَدَ (( أَشْعَثَ ) )الرَّأْسِ (( أَغْبَرَ ) )البَدَنِ، (( يَمُدُّ يَدَيْهِ ) )عِنْدَ الدُّعَاءِ (( إِلَى السَّمَاءِ ) )؛ لِأَنَّها قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، قَائِلًا: (( يَا رَبِّ يَا رَبِّ ) ). وهذِهِ الحَالَةُ والهَيْئَةُ أَجْلَبُ مَا تَكُونُ للاسْتِجَابَةِ، (( وَ ) )الحالُ (( مَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ ) )أَيْ: رُبِّيَ (( بالحَرامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ ) )لِذلِكَ، اسْتِبْعَادًا لاسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ مَعَ تَلَطُّخِهِ في مَلْبَسِهِ ومَشْرَبِهِ ومَطْعَمِهِ بِدَنَسِ الحَرَامِ؛ إِذْ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ، [وَهُوَ] ليْسَ مِنْهُم، وَقُوتُهُ التي يَمُدُّ بِهَا يَديْهِ ناشِئَةٌ مِنْ خَبيثٍ، [و] لَكِنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ كَثِيرًا مَا يُجِيبُ دَعْوَةَ آكِلِ الحرَامِ تَفَضُّلًا مِنْهُ أو اسْتِدْرَاجًا لَهُم.
مِنْ فَوائِدِ أَكْلِ الحَلَالِ:
التَّسَبُّبُ لإرضَاءِ ربِّ العِزَّةِ والجَلَالِ، والتَّوْفِيقُ للطَّاعَاتِ، واستجابَةُ الدعَوَاتِ. ومِنْ غَوَائِلِ الحَرَامِ: التَّسَبُّبُ لإسْخَاطِ اللَّهِ تَعَالَى، والابْتِلَاءُ بالسَّيِّئَاتِ؛ إذ الخبيثُ يَجُرُّ إلى الخبيثِ، وحِرْمَانُ قَبُولِ الدعواتِ إذ اجْتِنَابُ الحرامِ شَرْطٌ لِقَبُولِهَا، وَمِمَّا يُوجِبُ اسْتِجَابَتَهَا مَعَ أَكْلِ الحَلَالِ، حُضُورُ القَلْبِ والإيقانُ بالإجابَةِ، وعَدَمُ التَّعَجُّلِ.
الحديثُ الحاديَ عَشَرَ
عن أبي مُحَمَّدٍ الحسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ - سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَيْحَانَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ) ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ (1) .