بِجَوَازِ إلى أنَّ سبَبَ الإعرابِ واجبٌ للاسمِ وجائزٌ للمضارعِ؛ لأن الاسمَ ليس له ما يغنيه عن الإعرابِ، لأنَّ معانيَهُ مقصورةٌ عليه، والمضارعُ يغنيه عنِ الإعرابِ وضعُ اسمٍ مكانَه، كما في نحوِ:"لا تُعِنْ بالجَفَاءِ وتمدَحَ عَمْرًا"فَإِنَّهُ يحتملُ المعانيَ الثلاثةَ في:"لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنِ"، ويغني عن الإعرابِ في ذلك وضعُ الاسمِ مكانَ كلٍّ من المجزومِ والمنصوبِ والمرفوعِ، فيقال:"لا تُعَنْ بالجفاءِ ومدحِ عمرٍو"، و"لا تُعِنْ بالجفاءِ مادحًا عمرًا"، و"لا تُعِنْ بالجفاءِ ولكَ مَدْحُ عمرٍو"ومِنْ ثَمَّ كانَ الاسمُ أصلًا والمضارع ُفرعًا، خلافًا للكوفيِّين؛ فإِنَّهُم ذهبُوا إلى أن الإعرابَ أصلٌ في الأفعالِ كما هو أصلٌ في الأسماءِ، قالُوا: لأنَّ اللَّبْسَ الذي أوجَبَ الإعرابَ في الأسماءِ موجودٌ في الأفعالِ في بعض المواضعِ، كما في نحوِ: لا تأكلِ السمكَ وتشربْ اللبنَ كما تقدَّمَ. وأُجِيبَ بأنَّ اللَّبْسَ في المضارعِ كان يمكنُ إزالتُهُ بغيرِ الإعرابِ كما تقدَّمَ.
وإنما يعُرْبُ المضارعُ (إِنْ عَرِيَ مِنْ نونِ توكيدٍ مُبَاشِرٍ) له، نحو: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَا} (ومن نونِ إِنَاثٍ كيَرُعْنَ) مِنْ قولِك:"النِّسْوَةُ يَرُعْنَ"أي: يَخِفْنَ (مَنْ فُتِنَ) فإنْ لمْ يَعْرَ منهما لم يُعْرَبْ؛ لمعارضةِ شبهِ الاسمِ بما هو من خصائصِ الأفعالِ، فرجع إلى أصلِه مِنَ البناءِ، فيُبْنَى مع الأَوَّلِ على الفتحِ لتركيبِه معها تركيبَ خمسةَ عشرَ، ومع الثانيةِ على السكونِ حملًا على الماضي المتصلِ بها، لأنَّهُمَا مستويان في أصالةِ السكونِ وعروضِ الحركةِ، كما قاله في (شرحِ الكافيةِ) ، والاحترازُ بـ"المباشرِ"عن غيرِ المباشرِ، وهو الذي فصَلَ بينَ الفعلِ وبينَه فاصلٌ: ملفوظٌ به كألفِ الاثنينِ، أو مقدَّرٌ كواوِ الجماعةِ وياءِ الواحدةِ المخاطبةِ، نحوُ:"هل تضرِبَانَّ يا زيدانِ"، و"هل تضرِبُنَّ يا زيدونَ"، و"هل تضرِبَنَّ يا هندُ"الأصلُ: تضرِبَانْن، وتضربونن، وتضربينَنْ، حذُفِت نونُ الرفعِ لتوالي الأمثالِ، ولم تحُذَفْ نونُ التوكيدِ لفواتِ المقصودِ منها بحذفِها، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ والياءُ؛ لالتقاءِ الساكنينِ، وبقِيَتْ الضمَّةُ والكسرةُ دليلًا على المحذوفِ، ولم تُحْذَفِ الألفُ لِئَّلا يَلْتَبِسُ بفعلِ الواحدِ، وسيأتي الكلامُ على ذلك في موضعِهِ مستوفٍى، فهذا ونحوُه معرَبٌ، والضابطُ أنَّ ما كانَ رَفْعُهُ بالضمَّةِ إذا أُكِّدَ بالنونِ بُنِيَ لتركُّبِه معها، وما كانَ رفعُه بالنونِ إذًا أُكِّدَ بالنونِ لم يبِنِ لعدمِ تركبه معها، لأنَّ العربَ لَمْ تركِّبْ ثلاثةَ أشياءَ.
تنبيهٌ: ما ذكَرْناه مِنَ التفرقةِ بَينَ المباشرةِ وغيرِها هو المشهورُ والمنصورُ، وذهبَ الأخفشُ وطائفةٌ إلى البناءِ مطلقًا، وطائفةٌ إلى الإعرابِ مطلقًا، وأما نونُ الإناثِ فقالَ في