النكرةُ والمعرفةُ [1]
نَكِرَةٌ: قابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا ... أو واقعٌ مَوْقِعَ ما قَدْ ذُكِرَا [2]
النكرةُ؛ ما يَقْبَلُ (ألْ) ، وتُؤَثِّرُ فيه التعريفَ، أو يَقَعُ موقعَ ما يَقْبَلُ (ألْ) [3] فمثالُ ما يَقْبَلُ (ألْ) وتُؤَثِّرُ فيه التعريفَ (رجلٌ) ، فتقولُ: الرجلُ. واحْتَرَزَ بقولِهِ: (وتُؤَثِّرُ فيه التعريفَ) ممَّا يَقْبَلُ (ألْ) ولا تُؤَثِّرُ فيه التعريفَ، كعَبَّاسٍ عَلَمًا؛ فإنَّكَ تقولُ فيه: العباسُ، فتَدْخُلُ عليه (ألْ) لكنَّها لم تُؤَثِّرْ فيه التعريفَ؛ لأنَّه معرفةٌ قبلَ دخولِها عليه.
(1) أصلُ النَّكِرَةِ مَصْدَرُ (نَكِرْتُ الرجلَ) ـ بكسرِ الكافِ ـ وفي القرآنِ الكريمِ: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} ، وأصلُ المعرفةِ مصدرُ (عَرَفْتُ الرجلَ) مِن بابِ ضَرَبَ، أو يكونُ أصلُ النكرةِ اسمَ مصدرِ (نَكَّرْتُ) بتشديدِ الكافِ، والمعرفةِ اسمَ مصدرِ (عَرَّفْتُ) بتشديدِ الراءِ ـ ثمَّ نُقِلَ كلٌّ مِنهما: الأوَّلُ اسمًا للاسمِ المنكَّرِ، والثاني اسمًا للاسمِ المعرَّفِ، وهما حينَئذٍ اسْما جِنْسٍ وليسا عَلَمَيْنِ وإلاَّ لوَجَبَ مَنْعُهما من الصرفِ للعَلَمِيَّةِ والتأنيثِ اللفظيِّ؛ كحَمْزَةَ وطَلْحَةَ.
(2) (نَكِرَةٌ) مبتدأٌ، وجازَ الابتداءُ بها؛ لأنَّها في مَعْرِضِ التقسيمِ، أو لكونِها جارِيَةً على موصوفٍ محذوفٍ؛ أي: اسمٌ نكرةٌ، ويُؤيدُ ذلك الأخيرَ كونُ الخبرِ مذكَّرًا، (قَابِلُ) خبرُ المبتدأِ، ويجوزُ العكسُ لكنَّ الأوَّلَ أَوْلَى؛ لكونِ النكرةِ هي المُحَدَّثَ عنها، وقابلُ مضافٌ و (ألْ) مضافٌ إليه، مقصودٌ لفظُه (مُؤَثِّرَا) حالٌ من ألْ، (أوْ) عاطفةٌ، (واقعٌ) معطوفٌ على قابلُ، و (موقعَ) مفعولٌ فيه ظرفُ مكانٍ، وموقعَ مضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه، (قَدْ) حرفُ تحقيقٍ، (ذُكِرَا) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى قابلُ ألْ، والألفُ للإطلاقِ، والجملةُ لا محَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ.
(3) اعْتَرَضَ قومٌ على هذا التعريفِ بأنه غيرُ جامعٍ؛ وذلك لأنَّ لنَا أسماءً نكراتٍ لا تَقْبَلُ ألْ ولا تَقَعُ موقِعَ ما يَقْبَلُ ألْ، وذلك أربعةُ أشياءَ:
الحالُ في نحوِ: (جاءَ زيدٌ راكبًا) ، والتمييزُ في نحوِ: (اشْتَرَيْتُ رَطْلًا عَسَلًا) ، واسمُ لا النافيةِ للجنسِ في نحوِ: (لا رجلَ عندَنا) ، ومجرورُ رُبَّ في نحوِ: (رُبَّ رجلٍ كريمٍ لَقِيتُهُ) .
والجوابُ: أنَّ هذه كلَّها تَقْبَلُ ألْ مِن حيثُ ذاتُها، لا مِن حيثُ كونُها حالًا أو تَمييزًا أو اسمَ لا أو مجرورَ رُبَّ.
واعْتُرِضَ عليه أيضًًا بأنه غيرُ مانعٍ؛ وذلك لأنَّ بعضَ المعارِفِ يَقْبَلُ ألْ؛ نحوُ: يهودَ ومجوسَ، فإنَّكَ تقولُ: اليهودُ، والمجوسُ. وبعضُ المعارفِ يقعُ موقِعَ ما يَقْبَلُ ألْ، مثلُ: ضَمِيرِ الغائبِ العائدِ إلى نكرةٍ، نحوُ قولِكَ: لَقِيتُ رَجُلًا فأَكْرَمْتُه، فإنَّ هذا الضميرَ واقعٌ موقعَ رجلٍ السابقِ وهو يَقْبَلُ ألْ.
والجوابُ: أن يهودَ ومجوسَ اللذيْن يَقبلانِ ألْ هما جمعُ يَهُودِيٍّ ومَجُوسِيٍّ، فهما نَكِرَتَانِ، فإنْ كانَا عَلَمَيْنِ على القَبِيلَيْنِ المعروفيْنِ لم يَصِحَّ دخولُ ألْ عليهما.
وأمَّا ضميرُ الغائبِ العائدُ إلى نَكِرَةٍ فهو عندَ الكُوفِيِّينَ نكرةٌ، فلا يَضُرُّ عندَهم صِدْقُ هذا التعريفِ عليه.
والبَصريُّونَ يَجْعَلُونَه واقعًا موقعَ (الرجلِ) لا مَوْقِعَ رَجُلٍ، وكأنَّكَ قلتَ: لَقِيتُ رجلًا فأَكْرَمْتُ الرجلَ، كما قالَ تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} . وإذا كانَ كذلك فهو واقعٌ موقعَ ما لا يَقْبَلُ ألْ، فلا يَصْدُقُ التعريفُ عليه.