الصفحة 50 من 811

لا يَطَّرِدُ، وأنه مقصورٌ على السماعِ، ومنه قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِينِ يُوسُفَ ) )في إحدَى الروايتيْنِ، ومثلُه قولُ الشاعرِ:

7 -دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا [1]

(1) البيتُ للصِّمَّةِ بنِ عبدِ اللهِ، أحدِ شُعَرَاءِ عصرِ الدولةِ الأُمَوِيَّةِ، وكانَ الصِّمَّةُ قد هَوِي ابنةَ عمٍّ له اسْمُها رَيَّا، فخَطَبَها، فرَضِيَ عمُّه أنْ يُزَوِّجَهَا له على أنْ يَمْهَرَهَا خمسينَ مِن الإبلِ، فذَكَرَ ذلكَ لأبيه، فساقَ عنه تِسعةً وأربعينَ، فأَبَى عمُّه إلاَّ أنْ يُكْمِلَهَا له خمسينَ، وأَبَى أَبُوه أنْ يُكْمِلَهَا، ولَجَّ العنادُ بينَهما، فلم يَرَ الصِّمَّةُ بُدًّا مِن فِرَاقِهِما جميعًا، فرَحَلَ إلى الشامِ، فكانَ وهو بالشامِ يَحِنُّ إلى نَجْدٍ أحيانًا ويَذُمُّه أحيانًا أُخرَى، وهذا البيتُ من قصيدةٍ له في ذلك.

اللغةُ: (دَعَانِيَ) أي: اتْرُكَانِي، ويُرْوَى في مكانِه (ذَرَانِيَ) وهما بمعنًى واحدٍ، (نَجْدٍ) بلادٌ بعينِها، أعلاها تِهَامَةُ واليمنُ، وأَسْفَلُها العراقُ والشامُ، و (الشِّيبُ) بكسرِ الشينِ، جمعُ أَشْيَبَ، وهو الذي وَخَطَ الشيبُ شَعَرَ رأسِه، و (المُرْدُ) بضمٍّ فسكونٍ، جمعُ أَمْرَدَ، وهو مَن لم يَنْبُتْ بوجهِه شَعَرٌ.

الإعرابُ: (دَعَانِيَ) دعَا: فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ، وألفُ الاثنيْنِ فاعلٌ والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ به مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ نصبٍ، (مِن نَجْدٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بدعَانِيَ، (فإِنَّ) الفاءُ للتعليلِ، إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (سِنِينَهُ) سِنِينَ: اسمُ إنَّ منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ ـ وهو محلُّ الشاهدِ ـ وسنينَ مضافٌ والضميرُ العائدُ إلى نَجْدٍ مضافٌ إليه، وجملةُ (لَعِبْنَ) من الفعلِ وفاعلِه في محلِّ رفعِ خبرِ إنَّ، (بِنَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بلَعِبْنَ، (شِيبًا) حالٌ مِن الضميرِ المجرورِ المحلِّ بالباءِ في بِنَا، وجملةُ (شَيَّبْنَنَا) من الفعلِ وفاعلِه ومفعولِه معطوفةٌ بالواوِ على جملةِ لَعِبْنَ، (مُرْدًا) حالٌ مِن المفعولِ به في قَوْلِهِ: (شَيَّبْنَنَا) .

الشاهدُ فيه: قولُه: (فَإِنَّ سِنِينَهُ) حيثُ نَصَبَه بالفتحةِ الظاهرةِ، بدليلِ بقاءِ النونِ معَ الإضافةِ إلى الضميرِ، فجعَلَ هذه النونَ الزائدةَ على بِنْيَةِ الكَلِمَةِ كالنونِ التي من أصلِ الكَلِمَةِ في نحوِ: مِسْكِينٍ وغِسْلِينٍ، ألا تَرَى أنَّكَ تقولُ: هذا مِسكينٌ، ولقد رأيتُ رجلًا مسكينًا، ووَقَعَتْ عَيْنِي على رجلٍ مِسْكِينٍ، وتقولُ: هذا الرجلُ مِسْكِينُكُم، فتكونُ حركاتُ الإعرابِ على النونِ سواءٌ أُضِيفَتِ الكَلِمَةُ أم لم تُضَفْ؛ لأنَّ مثلَها مثلُ الميمِ في غُلامٍ، والباءِ في كتابٍ، ولو أنَّ الشاعرَ اعْتَبَرَ هذه النونَ زائدةً معَ الياءِ للدَّلالةِ على أنَّ الكَلِمَةَ جمعُ مذكَّرٍ سالمٌ لوَجَبَ عليه هنا أنْ يَنْصِبَه بالياءِ ويَحْذِفَ النونَ، فيقولَ: (فإِنَّ سِنِيهِ) ومثلُ هذا البيتِ قولُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِينِ يُوسُفَ ) )والأبياتُ التي أَنْشَدْنَاهَا (في ص 40) وتَقَدَّمَ لنا ذِكْرُ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت