الصفحة 49 من 811

أشارَ المصنِّفُ رَحِمَه اللهُ بقولِهِ: (وَشِبْهِ ذَيْنِ) إلى شِبْهِ عامرٍ، وهو كلُّ عَلَمٍ مُسْتَجْمِعٍ للشروطِ السابقِ ذِكْرُها؛ كمُحَمَّدٍ وإبراهيمَ، فتقولُ: مُحَمَّدُونَ وإبراهِيمُونَ، وإلى شِبْهِ مُذْنِبٍ، وهو كلُّ صفةٍ اجْتَمَعَ فيها الشروطُ؛ كالأفضلِ والضَّرَّابِ ونَحْوِهِما، فتقولُ: الأَفْضَلُونَ والضَّرَّابُونَ.

وأشارَ بقولِهِ: (وَبِهِ عِشْرُونَ) إلى ما أُلْحِقَ بجمعِ المذكَّرِ السالِمِ في إعرابِهِ بالواوِ رفعًا، وبالياءِ جرًّا ونَصْبًا.

وجَمْعُ المذكَّرِ السالِمُ هو ما سَلِمَ فيه بناءُ الواحدِ، ووُجِدَ فيه الشروطُ التي سَبَقَ ذِكْرُها، فمَا لا واحِدَ له مِن لَفْظِه، أو له واحدٌ غيرُ مستكمِلٍ للشروطِ فليسَ بجَمْعِ مذكَّرٍ سالِمٍ، بل هو مُلْحَقٌ به، فعِشْرُونَ وبابُه وهو ثلاثونَ إلى تِسعينَ مُلْحَقٌ بجمعِ المذكَّرِ السالِمِ؛ لأنَّه لا واحدَ له مِن لَفْظِه؛ إذ لا يُقالُ: عِشْرٌ.

وكذلك (أَهْلُونَ) مُلْحَقٌ به؛ لأنَّ مفردَه وهو أهلٌ ليسَ فيه الشروطُ المذكورةُ [1] ؛ لأنَّه اسمُ جِنْسٍ جامدٌ كرجلٍ.

وكذلك (أُولُو) ؛ لأنَّه لا واحدَ له مِن لَفْظِه، (وعَالَمُونَ) جمعُ عالمٍ, وعَالَمٌ كرجلٍ اسمُ جِنْسٍ جامدٌ، وعِلِّيُّونَ اسْمٌ لأعلَى الجنَّةِ، وليسَ فيه الشروطُ المذكورةُ؛ لكونِهِ لِمَا لا يُعْقَلُ. وأَرَضُونَ جمعُ أرضٍ وأرضٌ [2] : اسمُ جِنْسٍ جامدٌ مؤنَّثٌ. والسِّنُونَ جَمْعُ سَنَةٍ، والسنَةُ اسمُ جِنْسٍ مُؤَنَّثٌ، فهذه كلُّها مُلْحَقَةٌ بالجمعِ المذكَّرِ؛ لِمَا سَبَقَ مِن أنها غيرُ مُسْتَكْمِلَةٍ للشروطِ.

وأشار بقولِهِ: (وَبَابُهُ) إلى بابِ سَنَةٍ، وهو كلُّ اسمٍ ثُلاثيٍّ حُذِفَتْ لامُه وعُوِّضَ عنها هاءَ التأنيثِ ولم يُكَسَّرْ، كمائةٍ ومِئِينَ، وثُبَةٍ وثُبِينَ، وهذا الاستعمالُ شائعٌ في هذا ونحوِه، فإنْ كُسِّرَ: كَشَفَةٍ وشِفَاهٍ لم يُسْتَعْمَلْ كذلك إلاَّ شُذُوذًا، كظُبَةٍ؛ فإنَّهم كَسَرُوه على ظُبَاةٍ، وجَمَعُوه أيضًا بالواوِ رفعًا، وبالياءِ نصبًا وجرًّا، فقالوا: ظُبُونَ وظُبِينَ.

وأشارَ بقولِهِ: (ومِثْلَ حِينٍ قدْ يَرِدُ ذا البابُ) إلى أنَّ سِنِينَ [3] ونحوَه قد تَلْزَمُه الياءُ ويُجْعَلُ الإعرابُ على النونِ، فتقولُ: هذه سِنِينٌ، ورَأَيْتُ سِنِينًا، ومَرَرْتُ بِسِنِينٍ، وإنْ شِئْتَ حَذَفْتَ التنوينَ، وهو أقلُّ من إثباتِه، واخْتُلِفَ في اطِّرَادِ هذا، والصحيحُ أنه

(1) وقدْ جُمِعَ لفظُ (أهلٍ) جمعَ مذكَّرٍ سالِمًا شُذُوذًا، وذلك كقولِ الشَّنْفَرَى:

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُونَ سِيدٌ عَمَلَّسٌ ... وأَرْقَطُ ذُهْلُولٌ وعَرْفَاءُ جَيْأَلُ

(2) وقد جَمَعَ لفظَ (أرضٍ) جَمْعَ مذكَّرٍ سالمًا ذلكَ الذي يقولُ:

لقدْ ضَجَّتِ الأَرْضُونَ إِذْ قَامَ مِنْ بَنِي ... سَدُوسٍ خَطِيبٌ فوقَ أَعْوَادِ مِنْبَرِ.

(3) اعْلَمْ أنَّ إعرابَ سِنِينَ وبابِه إعرابَ الجمعِ بالواوِ رفعًا، وبالياءِ نصبًا وجرًّا هي لغةُ الحجازِ وعَلْيَاءِ قَيْسٍ. وأمَّا بعضُ بني تَمِيمٍ وبَنِي عامرٍ فيَجْعَلُ الإعرابَ بحَرَكَاتٍ على النونِ، ويَلْتَزِمُ الياءَ في جميعِ الأحوالِ، وهذا هو الذي أشارَ إليه المصنِّفُ بقولِهِ: (وَمِثْلَ حِينٍ) ، وقد تَكَلَّمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه اللغةِ، وذلك في قَوْلِهِ يدعُو على المشركينَ من أهلِ مكَّةَ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِينِ يُوسُفَ ) ).

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ بروايةٍ أخرَى على لغةِ عامَّةِ العربِ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ) ). فإمَّا أنْ يكونَ عليه الصلاةُ والسلامُ قد تَكَلَّمَ باللغتيْنِ جميعًا مرَّةً بهذه ومرةً بتلكَ؛ لأنَّ الدعاءَ مقامُ تَكرارٍ للمدعوِّ به، وهذا هو الظاهرُ، وإمَّا أنْ يكونَ قد تَكَلَّمَ بإحدَى اللغتيْنِ، ورَوَاهُ الرُّواةُ بهما جميعًا، كلٌّ مِنهم رَوَاهُ بلغةِ قبيلتِه؛ لأنَّ الروايةَ بالمعنى جائزةٌ عندَ المُحَدِّثِينَ، وعلى هذه اللغةِ جاءَ الشاهدُ رَقْمُ 7 الذي رَوَاهُ الشارحُ، كما جاءَ قولُ جَرِيرٍ:

أَرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي ... كما أَخَذَ السِّرَارُ مِن الهلالِ

وقولُ الشاعرِ:

أَلَمْ نَسُقِ الحَجِيجَ سَلِي مَعَدًّا ... سِنِينًا ما تُعَدُّ لَنَا حِسَابَا

وقولُ الآخرِ:

سِنِينِي كُلَّهَا لاَقَيْتُ حَرْبًا ... أُعَدُّ معَ الصَّلاَدِمَةِ الذُّكُورِ

ومِن العربِ مَن يُلْزِمُ هذا البابَ الواوَ، ويفتَحُ النونَ في كلِّ أحوالِه، فيكونُ إعرابُه بحَرَكَاتٍ مقدَّرَةٍ على الواوِ مَنَعَ مِن ظُهُورِها الثِّقَلُ، ومِنهم مَن يُلْزِمُه الواوَ ويَجْعَلُ الإعرابَ بحركاتٍ ظاهرةٍ على النونِ؛ كإعرابِ زيتونٍ ونحوِه، ومنهم مَن يُجْرِي الإعرابَ الذي ذَكَرْنَاه أوَّلًا في جميعِ أنواعِ جمعِ المذكرِ وما أُلْحِقَ به، إجراءً له مُجْرَى المفردِ، ويَتَخَرَّجُ على هذه اللغةِ قولُ ذِي الإِصْبَعِ العَدْوَانِيِّ.

إنِّي أَبِيٌّ أَبِيٌّ ذُو مُحَافَظَةٍ ... وابْنُ أَبِيٍّ أَبِيٍّ مِن أَبِيِّينِ

ويَجُوزُ في هذا البيتِ أنْ تُخْرِجَه على ما خَرَجَ عليه بَيْتُ سُحَيْمٍ (ش 9) الآتي قريبًا، فتَلَخَّصَ لكَ من هذا أنَّ ما ذَكَرْنَاهُ في سِنِينَ وبابِه أربعُ لغاتٍ، وأنَّ ما ذكرناه في الجمعِ عامَّةً لغتانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت