ذَكَرَ المصنِّفُ قِسْمَيْنِ يُعْرَبَانِ بالحروفِ: أحدُهما: الأسماءُ الستَّةُ، والثاني: المُثَنَّى، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ عليهما.
ثمَّ ذَكَرَ في هذا البيتِ القِسْمَ الثالثَ، وهو جمعُ المذكَّرِ السالمُ وما حُمِلَ عليه، وإعرابُه بالواوِ رفعًا، وبالياءِ نصبًا وجرًّا، وأشارَ بقولِه: (عَامِرٍ ومُذْنِبِ) إلى ما يُجْمَعُ هذا الجمعَ، وهو قِسمانِ: جامدٌ وصِفَةٌ.
فيُشْتَرَطُ في الجامدِ أنْ يكونَ عَلَمًا لمذكَّرٍ عاقلٍ، خالِيًا مِن تاءِ التأنيثِ ومِن التركيبِ، فإنْ لم يَكُنْ عَلَمًا لم يُجْمَعْ بالواوِ والنونِ، فلا يُقالُ في (رجلٍ) : رَجلُونَ)، نعمْ إِذَا صُغِّرَ جازَ ذلك، نحوُ: (رُجَيْلٌ ورُجَيْلُونَ) ؛ لأنَّه وَصْفٌ [1] ، وإنْ كانَ عَلَمًا لغيرِ مذكَّرٍ لم يُجْمَعْ بهما، فلا يُقالُ في (زَيْنَبَ) : زَيْنَبُونَ، وكذا إنْ كانَ عَلَمًا لمذكَّرٍ غيرِ عاقلٍ، فلا يُقالُ في (لاحِقٍ) - اسمِ فرسٍ: لاحِقُونَ، وإنْ كانَ فيه تاءُ التأنيثِ فكذلك لا يُجْمَعُ بهما، فلا يُقالُ في (طَلْحَةَ) : طَلْحُونَ، وأجازَ ذلكَ الكُوفِيُّونَ [2] ، وكذلك إذا كانَ مُرَكَّبًا، فلا يُقالُ في (سِيبَوَيْهِ) : سِيبَوَيْهُونَ، وأجَازَه بعضُهم.
ويُشْتَرَطُ في الصفةِ أنْ تكونَ صفةً لمذكَّرٍ عاقلٍ خاليةً مِن تاءِ التأنيثِ، لَيْسَتْ من بابِ أَفْعَلَ فَعْلاءَ، ولا مِن بابِ فَعْلانَ فَعْلَى، ولا ممَّا يَسْتَوِي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، فخَرَجَ بقَوْلِنا: (صِفَةً لمذكَّرٍ) ما كانَ صفةً لمؤنَّثٍ، فلا يُقالُ في حائضٍ: حَائِضُونَ، وخَرَجَ بقولِنا: (عاقلٍ) ما كانَ صفةً لمذكَّرٍ غيرِ عاقلٍ، فلا يُقالُ في (سابقٍ) - صفةِ فَرَسٍ: سابقونَ.
(1) وجاءَ من ذلك قولُ الشاعرِ:
زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي
مَحَلُّ الشاهدِ في قَوْلِهِ: (أُبَيْنُوهَا) ؛ فإنَّه جَمَعَ مُصَغَّرَ (ابنٍ) جَمْعَ مُذَكَّرٍ سَالِمًا، ورَفَعَه بالواوِ نِيابةً عن الضمَّةِ، ولولا التصغيرُ لَمَا جازَ أنْ يَجْمَعَه هذا الجمعَ؛ لأنَّ ابنًا اسمٌ جامدٌ وليسَ بعَلَمٍ، وإنما سَوَّغَ التصغيرُ ذلك لأنَّ الاسمَ المصغَّرَ في قوَّةِ الوصفِ، ألاَ تَرَى أنَّ رُجَيْلًا في قوةِ قولِكَ: رجلٌ صغيرٌ، أو حقيرٌ، وأنَّ أُبَيْنًا في قوةِ قولِكَ: ابنٌ صغيرٌ؟
(2) ذهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنه يَجُوزُ جمعُ العلمِ المذكَّرِ المختومِ بتاءِ التأنيثِ - كطَلْحَةَ وحَمْزَةَ - جَمْعَ مذكَّرٍ سالِمًا بالواوِ والنونِ أو الياءِ والنونِ بعد حذفِ تاءِ التأنيثِ التي في المفردِ، ووَافَقَهُم على ذلكَ أبو الحسنِ بنُ كَيْسَانَ، وعلى ذلك يقولونَ: جاءَ الطَّلْحُونَ والحَمْزُونَ، ورأيتُ الطَّلْحِينَ والحَمْزِينَ، ولهم على ذلك ثلاثةُ أدلَّةٍ:
الأوَّلُ: أن هذا علمٌ على مذكَّرٍ، وإنْ كانَ لفظُه مؤنَّثًا، والعِبْرَةُ بالمعنى لا باللفظِ.
والثاني: أن هذه التاءَ في تقديرِ الانفصالِ؛ بدليلِ سُقُوطِها في جمعِ المؤنَّثِ السالِمِ في قَوْلِهِم: طَلَحَاتٍ، وحَمَزَاتٍ.
والثالثُ: أنَّ الإجماعَ منعقِدٌ على جوازِ جمعِ العَلَمِ المذكَّرِ المختومِ بألفِ التأنيثِ جمعَ مذكَّرٍ سالمًا، فلو سَمَّيْنا رجلًا بحَمْرَاءَ أو حُبْلَى جازَ جَمْعُه على حَمْرَاوِينَ وحُبْلِينَ، ولا شكَّ أنَّ الاسمَ المختومَ بألفِ التأنيثِ أشدُّ تَمَكُّنًا في التأنيثِ مِن المختومِ بتاءِ التأنيثِ، وإذا جازَ جمعُ الاسمِ الأشدِّ تَمَكُّنًا في التأنيثِ جَمْعَ مذكَّرٍ سالمًا فجَوَازُ جمعِ الاسمِ الأخفِّ تَمَكُّنًا في التأنيثِ هذا الجمعَ جائزٌ من بابِ أَوْلَى.
واخْتَلَفَ النُّحاةُ في جمعِ العَلَمِ المُرَكَّبِ تركيبًا مَزْجِيًّا، هل يُجْمَعُ جمعَ مذكَّرٍ سالمًا؟
فقالَ الجمهورُ: لا. وقالَ قومٌ: نعمْ، ويُجْمَعُ صدرُه فيقالُ في جَمْعِ سِيبَوَيْهِ: سِيبُونَ. وقالَ قومٌ: نعمْ، وتُجْمَعُ جُمْلَتُه فيُقالُ: سِيبَوَيْهُونَ. أمَّا المُرَكَّبُ تَرْكِيبًا إسناديًّا فقدْ أَجْمَعُوا على أنه لا يُجْمَعُ بالواوِ والنونِ أو الياءِ والنونِ.