الصفحة 46 من 811

ثم بَيَّنَ أنَّ اثنيْنِ واثنتيْنِ يَجْرِيَانِ مَجْرَى ابنيْنِ وابنتيْنِ، فاثنانِ واثنتانِ مُلْحَقَانِ بالمُثنَّى كما تَقَدَّمَ، وابنانِ وابنتانِ مُثَنًّى حقيقةً.

ثمَّ ذَكَرَ المصنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى أنَّ الياءَ تَخْلُفُ الألفَ في المثنَّى والمُلْحَقِ به في حالَتَيِ الجَرِّ والنصبِ، وأنَّ ما قَبْلَها لا يكونُ إلاَّ مفتوحًا، نحوُ: (رَأَيْتُ الزيدَيْنِ كِلَيْهِمَا، ومَرَرْتُ بالزيدَيْنِ كِلَيْهِمَا) ، واحْتُرِزَ بذلكَ عن ياءِ الجمعِ؛ فإنَّ ما قَبْلَها لا يَكونُ إلاَّ مكسورًا، نحوُ: (مَرَرْتُ بالزيدِينَ) ، وسيأتي ذلكَ.

وحاصلُ ما ذَكَرَهُ أنَّ المُثنَّى وما أُلْحِقَ به يُرْفَعُ بالألفِ ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بالياءِ، وهذا هو المشهورُ، والصحيحُ أنَّ الإعرابَ في المُثَنَّى والمُلْحَقِ به بحركةٍ مُقَدَّرَةٍ على الألفِ رَفعًا، والياءِ نصبًا وجرًّا.

وما ذَكَرَه المُصَنِّفُ من أنَّ المثنَّى والمُلْحَقَ به يكونانِ بالألفِ رفعًا، والياءِ نصبًا وجرًّا هو المشهورُ في لغةِ العربِ، ومِن العربِ [1] مَن يَجْعَلُ المثنَّى والمُلْحَقَ به بالألفِ مُطلقًا رفعًا ونصبًا وجرًّا، فيقولُ: (جَاءَ الزيدانِ كِلاهما، ورَأَيْتُ الزيدانِ كلاهما، ومَرَرْتُ بالزيدانِ كِلاهما) .

وارْفَعْ بواوٍ وبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبِ ... سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ ومُذْنِبِ [2]

(1) هذه لغةُ كِنَانَةَ وبني الحارِثِ بنِ كَعْبٍ وبني العَنْبَرِ وبني هُجَيْمٍ وبُطُونٍ مِن رَبيعةَ بكرِ بنِ وائلٍ وزُبَيْدٍ وخَثْعَمٍ وهَمْدَانَ وعُذْرَةَ، وخَرَجَ عليه قولُه تعالى: (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) ، وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ ) )، وجاءَ عليها قولُ الشاعرِ:

تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاهُ طَعْنَةً ... دَعَتْهُ إِلَى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ

فإنَّ مِن حقِّ (هذانِ، ووِترانِ، وأُذْنَاهُ) لو جَرَيْنَ على اللغةِ المشهورةِ ـ أنْ تكونَ بالياءِ: فإنَّ الأولَى اسمُ إنَّ، والثانيةَ اسمُ لا، وهما منصوبانِ، والثالثةَ في موضِعِ المجرورِ بإضافةِ الظرفِ قبلَها، وفي الآيةِ الكريمةِ تَخْرِيجَاتٌ أُخْرَى تُجْرِيهَا على المستعمَلِ في لغةِ عامَّةِ العربِ: مِنها أنَّ (إنَّ) حرفٌ بمعنى (نعمْ) مثلُها في قولِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:

بَكَرَ العَوَاذِلُ في الصَّبُو ... حِ يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهْ

ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ ... كَ وقد كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ

يُريدُ: فقلتُ: نعمْ، والهاءُ على ذلك هي هاءُ السكتِ، و {هَذَانِ} في الآيةِ الكريمةِ حينَئذٍ مبتدأٌ، واللامُ بعدَه زائدةٌ، و (ساحرانِ) خبرُ المبتدأِ.

ومنها أن (إنَّ) مؤكِّدَةٌ ناصبةٌ للاسمِ رافعةٌ للخبرِ، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوفٌ، و (هذانِ ساحرانِ) مبتدأٌ وخبرٌ كما في الوجهِ السابقِ، والجملةُ في محلِّ رفعِ خبرِ إنَّ، والتقديرُ: إنه (أي: الحالَ والشأنَ) هذان لساحرانِ.

(2) (وَارْفَعْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (بواوٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بارْفَعْ، (وبِيَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باجْرُرِ الآتي، ولقولِه: انْصِبْ معمولٌ مِثْلُه حُذِفَ لدَلالةِ هذا عليه؛ أي: اجْرُرْ بياءٍ وانْصِبْ بياءٍ، (اجْرُرْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (وَانْصِبِ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا، وهو معطوفٌ بالواوِ على اجْرُرْ، (سَالِمَ) مفعولٌ به تَنَازَعَه كلٌّ مِن ارْفَعْ واجْرُرْ وانْصِبْ، وسالِمَ مضافٌ و (جمعِ) مضافٌ إليه، وجمعِ مضافٌ و (عامرٍ) مضافٌ إليه، و (مُذْنِبِ) معطوفٌ على عامرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت