وخَرَجَ بقولِنَا: (صالحٌ للتجريدِ) نحوُ: (اثنانِ) ؛ فإنَّه لا يَصْلُحُ لإسقاطِ الزيادةِ منه، فلا تقولُ: (اثْنٌ) ، وخَرَجَ بقولِنَا: (وعَطْفِ مِثْلِه عليه) ما صَلَحَ للتجريدِ وعطفِ غيرِه عليه؛ كالقمريْنِ؛ فإنَّه صالحٌ للتجريدِ، فتقولُ: (قَمَرٌ) ، ولكن يُعْطَفُ عليه مُغايِرُه، لا مِثْلُه، نحوُ: (قَمَرٌ وشَمْسٌ) ، وهو المقصودُ بقولِهِم: (القمريْنِ) [1] .
وأشارَ المصنِّفُ بقولِهِ: (بِالألفِ ارْفَعِ المُثَنَّى وكِلاَ) إلى أنَّ المُثَنَّى يُرْفَعُ بالألفِ، وكذلك شِبْهُ المثنَّى، وهو كلُّ ما لا يَصْدُقُ عليه حدُّ المثنَّى، وأشارَ إليه المصنِّفُ بقولِهِ: (وكِلاَ) فما لا يَصْدُقُ عليه حدُّ المثنَّى ممَّا دَلَّ على اثنيْنِ بزيادةٍ أو شِبْهِها؛ فهو مُلْحَقٌ بالمثنَّى، فكِلا وكِلْتَا واثنانِ واثنتانِ مُلْحَقَةٌ بالمُثَنَّى؛ لأنَّها لا يَصْدُقُ عليها حدُّ المُثَنَّى، ولكِنْ لا يُلْحَقُ كِلا وكِلْتَا بالمثنَّى إلاَّ إذا أُضِيفَا إلى مُضْمَرٍ، نحوُ: (جَاءَنِي كِلاهُما، ورَأَيْتُ كِلَيْهِمَا، ومَرَرْتُ بكِلَيْهِمَا، وجَاءَتْنِي كِلْتَاهُما، ورَأَيْتُ كِلْتَيْهِمَا، ومَرَرْتُ بِكِلْتَيْهِمَا) ، فإنْ أُضِيفَا إلى ظاهرٍ كانا بالألفِ رَفعًا ونصبًا وجرًّا، نحوُ: (جَاءَنِي كِلا الرجليْنِ، وكِلْتَا المرأتيْنِ، ورَأَيْتُ كِلا الرجليْنِ وكِلْتَا المرأتيْنِ، ومَرَرْتُ بِكِلا الرجليْنِ وكِلْتَا المرأتيْنِ) .
فلهذا قالَ المصنِّفُ: (وَكِلاَ إِذَا بمُضْمَرٍ مُضَافًا وُصِلاَ) [2] .
(1) سرُّ هذه المسألةِ أنه يُشْتَرَطُ في المثنَّى أنه يَتَّفِقُ لفظُ المفرديْنِ ومعناهما، فإنِ اخْتَلَفَ اللفظانِ في الحروفِ أو في الحركاتِ أو في المعنَى لم تَكُنْ تَثْنِيَتُهما من المثنَّى على التحقيقِ، فمثالُ ما اخْتَلَفَ المفردانِ في الحروفِ شَمْسٌ وقمرٌ، فقد قالُوا فيهما القمريْنِ، وعمرُ وأبو بكرٍ فقد قالُوا فيهما العُمَرَيْنِ، والأبُ والأمُّ فقد قالُوا فيهما الأبويْنِ، ومثالُ ما اخْتَلَفَا في الحركاتِ قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: (( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ بِأَحَدِ الْعُمَرَيْنِ ) )يُرِيدُ عمرَ بنَ الخطَّابِ وعمرَو بنَ هِشَامٍ المُكَنَّى أبا جَهْلٍ، ومثالُ ما اخْتَلَفَا فيه في المعنَى قولُهم: (القلمُ أحسنُ اللسانيْنِ) فهذا كلُّه مُلْحَقٌ بالمثنَّى عندَ الجمهورِ.
(2) هذا الذي ذَكَرَه الشارحُ تَبَعًا للناظمِ مِن أنَّ لِكِلا وكِلْتَا حالتيْنِ: حالةً يعاملانِ فيها معاملةَ المثنَّى، وحالةً يُعاملانِ فيها معاملةَ المفردِ المقصورِ، فيكونانِ بالألفِ في الأحوالِ الثلاثةِ؛ كالفتَى والعَصَا ـ هو مشهورُ لغةِ العربِ، والسرُّ فيه ـ على ما ذَهَبَ إليه نُحاةُ البصرةِ ـ أنَّ كِلا وكلتا لفظُهما لفظُ المفردِ ومعناهما معنَى المثنَّى، فكانَ لهما شَبَهَانِ: شبهٌ بالمفردِ من جهةِ اللفظِ، وشبهٌ بالمثنَّى من جهةِ المعنى، فأَخَذَا حكمَ المفردِ تارَةً وحكمَ المثنَّى تارَةً أُخْرَى، حتى يكونَ لكلٍّ شَبَهُ حَظٍّ في الإعرابِ، وفي إعادةِ الضميرِ عليهما أيضًًا.
ومن العربِ مَن يُعامِلُهما معاملةَ المقصورِ في كلِّ حالٍ، فيُغَلِّبُ جانبَ اللفظِ، وعليه جاءَ قولُ الشاعرِ:
نِعْمَ الفَتَى عَمَدَتْ إِلَيْهِ مَطِيَّتِي ... فِي حِينَ جَدَّ بِنَا المَسِيرُ كِلاَنَا
ومَحَلُّ الشاهدِ في قَوْلِهِ: (كِلانا) فإنَّه توكيدٌ للضميرِ المجرورِ مَحَلاًّ بالباءِ في قَوْلِهِ: (بِنَا) وهو معَ ذلك مضافٌ إلى الضميرِ، وقد جاءَ به بالألفِ في حالةِ الجرِّ.
وقد جَمَعَ في عَوْدِ الضميرِ عليهما بينَ مراعاةِ اللفظِ والمعنى الأسودُ بنُ يَعْفُرَ في قَوْلِهِ:
إِنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما ... يُوفِي المَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سَوَادِي
فتَرَاهُ قالَ: (يُوفِي المَخَارِمَ) بالإفرادِ. ثم قالَ: (يَرْقُبَانِ) بالتثنيةِ، فأمَّا الإعرابُ في هذا البيتِ فإنْ جَعَلْتَ (كِلاهما) توكيدًا كانَ كإعرابِ المقصورِ، ولكِنَّ ذلك ليسَ بمُتَعَيِّنٍ، بل يَجُوزُ أنْ يكونَ (كلاهما) مبتدأً خَبَرُه جملةُ المضارِعِ بعدَه، وجملةُ المبتدأِ وخبرِه في محلِّ رفعِ خبرِ إنَّ، وعلى هذا يكونُ اللفظُ كإعرابِ المثنَّى جاريًا على اللغةِ الفُصحَى.