فعلامةُ الرفعِ والنصبِ والجرِّ حركةٌ مقدَّرةٌ على الألفِ، كما تُقَدَّرُ في المقصورِ، وهذه اللغةُ أشهرُ من النقصِ.
وحاصلُ ما ذَكَرَه أنَّ في (أَبٍ وأَخٍ وحَمٍ) ثلاثَ لغاتٍ، أَشْهَرُها أنْ تكونَ بالواوِ والألفِ والياءِ، والثانيةُ: أنْ تكونَ بالألفِ مُطلقًا [1] ، والثالثةُ: أنْ تُحْذَفَ مِنها الأحرفُ الثلاثةُ، وهذا نادرٌ، وأن في (هَنٍ) لُغَتَيْنِ: إحداهما: النَّقْصُ، وهو الأشهرُ، والثانيةُ: الإتمامُ، وهو قليلٌ.
وشرطُ ذا الإعرابِ أنْ يُضَفْنَ لاَ لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلاَ [2]
ذكَرَ النَّحْوِيُّونَ لإعرابِ هذه الأسماءِ بالحروفِ شروطًا أربعةً:
أَحَدُها: أنْ تكونَ مُضافةً، واحْتُرِزَ بذلك مِن ألاَّ تضافَ؛ فإنَّها حينَئذٍ تُعْرَبُ بالحركاتِ الظاهرةِ، نحوُ: (هذا أبٌ، ورأَيْتُ أبًا، ومَرَرْتُ بأَبٍ) .
الثاني: أنْ تُضافَ إلى غيرِ ياءِ المتكلِّمِ، نحوُ: (هذا أبو زَيْدٍ وأَخُوه وحَمُوه) ، فإنْ أُضِيفَتْ إلى ياءِ المتكلِّمِ أُعْرِبَتْ بحَرَكَاتٍ مقدَّرَةٍ، نحوُ: (هذا أبي، ورَأَيْتُ أبي، ومَرَرْتُ بأبي) ولم تُعْرَبْ بهذه الحروفِ، وسيأتي ذِكْرُ ما تُعْرَبُ به حينَئذٍ.
(1) هذه لغةُ قومٍ بأعيانِهم من العربِ، واشْتُهِرَتْ نِسْبَتُها إلى بَنِي الحارِثِ وخَثْعَمٍ وزُبَيْدٍ، وكلُّهم ممَّن يُلْزِمُونَ المُثَنَّى الألفَ في أحوالِه كلِّها، وقد تَكَلَّمَ بها في الموضعيْنِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك في قَوْلِهِ: (( مَا صَنَعَ أَبَا جَهْلٍ؟ ) )وقولِه: (( لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ ) )، وعلى هذه اللغةِ قالَ الإمامُ أبو حنيفةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (لا قَوَدَ في مُثَقلٍ ولو ضَرَبَه بأَبَا قُبَيْسٍ) وأبو قُبَيْسٍ: جبلٌ معروفٌ.
(2) (وشرطُ) الواوُ للاستئنافِ، شرطُ: مبتدأٌ، وشرطُ مضافٌ و (ذا) مضافٌ إليه، (الإعرابِ) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ أو نعتٌ لذا، (أَنْ) حرفٌ مَصْدَرِيٌّ ونَصْبٍ، (يُضَفْنَ) فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، وهو مبنيٌّ على السكونِ؛ لاتِّصالِهِ بنونِ النِّسوةِ في محلِّ نصبٍ بأنْ، وأنْ ومَدْخُولُها في تأويلِ مصدرٍ خبرُ المبتدأِ؛ أي: شرطُ إعرابِهِنَّ بالحروفِ كَوْنُهُنَّ مُضَافاتٍ، و (لا) حرفُ عطفٍ، (لِلْيَا) معطوفٌ على محذوفٍ، والتقديرُ: لكلِّ اسمٍ لا للياءِ، (كجَا) الكافُ حرفُ جرٍّ، ومجرورُه محذوفٌ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلك كائنٌ كقولِكَ، وجَا: أصلُه جاءَ: فعلٌ ماضٍ، (أَخُو) فاعلُ جاءَ مرفوعٌ بالواوِ، وأخو مضافٌ وأبي مِن (أبيكَ) مضافٌ إليه مجرورٌ بالياءِ، وأبي مضافٌ وضميرُ المخاطَبِ مضافٌ إليه، (ذَا) حالٌ منصوبٌ بالألفِ نِيابةً عن الفتحةِ، وهو مضافٌ، و (اعْتِلاَ) مضافٌ إليه.
وأصلُه اعتلاءٌ فقَصَرَه للاضطرارِ، وتقديرُ البيتِ: وشرطُ هذا الإعرابِ الذي هو كونُها بالواوِ رفعًا وبالألفِ نصبًا وبالياءِ جرًّا في كلِّ كَلِمَةٍ من هذه الكلماتِ -كَوْنُها مضافةً إلى اسمٍ؛ أيِّ اسمٍ من الأسماءِ لا لياءِ المتكلِّمِ، ومثالُ ذلك قولُكَ: جاءَ أخو أبيكَ ذا اعتلاءٍ، فأخو: مثالٌ للمرفوعِ بالواوِ، وهو مضافٌ لِمَا بعدَه، وأَبِيكَ: مثالٌ للمجرورِ بالياءِ، وهو مضافٌ لضميرِ المخاطَبِ، وذا: مثالٌ للمنصوبِ بالألفِ، وهو مضافٌ إلى (اعْتِلاَ) وكلُّ واحدٍ مِن المضافِ إليهنَّ اسمٌ غيرُ ياءِ المتكلِّمِ كما ترَى.