الصفحة 43 من 811

الثالثُ: أنْ تكونَ مُكَبَّرَةً، واحْتُرِزَ بذلك مِن أنْ تكونَ مصغَّرةً؛ فإنَّها حينَئذٍ تُعْرَبُ بالحركاتِ الظاهرةِ، نحوُ: (هذا أُبَيُّ زيدٍ وذُوَيُّ مالٍ، ورأيتُ أُبَيَّ زَيدٍ وذُوَيَّ مالٍ، ومَرَرْتُ بأُبَيِّ زيدٍ وذُوَيِّ مالٍ) .

الرابعُ: أنْ تكونَ مُفْرَدَةً، واحْتُرِزَ بذلك مِن أنْ تكونَ مجموعةً أو مُثَنَّاةً، فإنْ كانَتْ مجموعةً أُعْرِبَتْ بالحركاتِ الظاهرةِ [1] نحوُ: (هؤلاءِ آبَاءُ الزَّيْدِينَ، ورَأَيْتُ آبَاءَهُم، ومَرَرْتُ بآبائِهِم) ، وإن كانَتْ مُثَنَّاةً أُعْرِبَتْ إعرابَ المثنَّى؛ بالألفِ رفعًا، وبالياءِ جرًّا ونصبًا، نحوُ: (هذانِ أبوا زَيْدٍ، ورَأَيْتُ أَبَوَيْهِ، ومَرَرْتُ بأَبَوَيْهِ) .

ولم يَذْكُرِ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى مِن هذه الأربعةِ سِوَى الشرطيْنِ الأَوَّلَيْنِ، ثمَّ أشارَ إليهما بقولِه: (وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَابِ أنْ يُضَفْنَ لاَ لِلْيَا) ؛ أي: شرطُ إعرابِ هذه الأسماءِ بالحروفِ أنْ تُضافَ إلى غيرِ ياءِ المتكلِّمِ، فعُلِمَ من هذا أنه لا بُدَّ مِن إضافتِها، وأنه لا بُدَّ أنْ تكونَ إضافتُها إلى غيرِ ياءِ المتكلِّمِ.

ويُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ الشرطانِ الآخَرَانِ مِن كلامِه؛ وذلك أنَّ الضميرَ في قَوْلِهِ: (يُضَفْنَ) راجعٌ إلى الأسماءِ التي سَبَقَ ذِكْرُها، وهو لم يَذْكُرْها إلاَّ مُفْرَدَةً مكبَّرَةً، فكأنَّه قالَ: وشَرْطُ ذا الإعرابِ أنْ يُضافَ أبٌ وإخوتُه المذكورةُ إلى غيرِ ياءِ المتكلِّمِ.

واعْلَمْ أنَّ (ذو) لا تُسْتَعْمَلُ إلاَّ مضافةً، ولا تُضافُ إلى مُضْمَرٍ، بل إلى اسمِ جِنْسٍ ظاهرٍ غيرِ صفةٍ، نحوُ: (جَاءَنِي ذُو مالٍ) فلا يَجُوزُ: (جاءَنِي ذُو قائمٍ) [2] .

(1) المرادُ جمعُ التكسيرِ كما مُثِّلَ، فأمَّا جمعُ المذكَّرِ السالمِ فإنَّها لا تُجْمَعُ عليه إلا شُذُوذًا، وهي حينَئذٍ تُعرَبُ إعرابَ جمعِ المذكَّرِ السالمِ شُذُوذًا، بالواوِ رفعًا، وبالياءِ المكسورِ ما قبلَها نصبًا وجَرًّا، ولم يَجْمَعُوا مِنها جمعَ المذكَّرِ إلاَّ الأبَ وذُو.

فأمَّا الأبُ فقد وَرَدَ جمعُه في قولِ زِيادِ بنِ واصلٍ السُّلَمِيِّ:

فلَمَّا تَبَيَّنَّ أَصْوَاتَنَا ... بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنَا بِالأَبِينَا

وأمَّا (ذو) فقدْ وَرَدَ جَمْعُه مُضافًا مرتيْنِ: إحداهما إلى اسمِ الجنسِ، والأُخْرَى إلى الضميرِ شُذُوذًا، وذلك في قولِ كَعْبِ بنِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى المُزَنِيِّ:

صَبَحْنَا الخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفَاتٍ ... أَبَارَ ذَوِي أَرُومَتِها ذَوُوها

ففي (ذَوُوهَا) شذوذٌ من ناحيتيْنِ: إضافتُه إلى الضميرِ، وجمعُه جمعَ المذكَّرِ السالِمِ.

(2) اعْلَمْ أنَّ الأصلَ في وَضْعِ (ذو) التي بمعنى صاحبٍ أنْ يُتَوَصَّلَ بها إلى نعتِ ما قبلَها بما بعدَها، وذلك يَسْتَدْعِي شيئيْنِ:

أحدُهما: أنْ يكونَ ما بعدَها ممَّا لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوصَفَ به.

والثاني: أنْ يكونَ ما بعدَها ممَّا لا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ صِفَةً من غيرِ حاجةٍ إلى توسُّطِ شيءٍ؛ ومن أجلِ ذلكَ لازَمَتِ الإضافةَ إلى أسماءِ الأجناسِ المعنويَّةِ كالعِلْمِ والمالِ والفضلِ والجاهِ، فتقولُ: مُحَمَّدٌ ذو عِلْمٍ، وخالدٌ ذو مالٍ. وبَكْرٌ ذو فضلٍ، وعليٌّ ذو جاهٍ، وما أَشْبَهَ ذلك؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لا يُوصَفُ بها إلا بواسطةِ شيءٍ، ألاَ تَرَى أنَّكَ لا تقولُ: (مُحَمَّدٌ فضلٌ) إلا بواسطةِ تأويلِ المصدرِ بالمشتقِّ أو بواسطةِ تقديرِ مضافٍ، أو بواسطةِ قصدِ المبالغةِ.

فأمَّا الأسماءُ التي يَمْتَنِعُ أنْ تكونَ نعتًا ـ وذلك الضميرُ والعَلَمُ ـ فلا يُضافُ (ذو) ولا مُثَنَّاهُ ولا جمعُه إلى شيءٍ منها، وشَذَّ قولُ كَعْبِ بنِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى المُزَنِيِّ الذي سَبَقَ إنشادُه:

صَبَحْنَا الخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفَاتٍ ... أَبَارَ ذَوِي أَرُومَتِهَا ذَوُوهَا

كما شَذَّ قولُ الآخَرِ:

إنَّمَا يَعْرِفُ ذا الفَضْـ ... ـلِ مِن الناسِ ذَوُوهُ

وشَذَّ كذلك ما أَنْشَدَهُ الأَصْمَعِيُّ، قالَ: أَنْشَدَنِي أعرابِيٌّ مِن بَنِي تَمِيمٍ ثُمَّ مِن بَنِي حَنْظَلَةَ لنفسِه:

أَهْنَأُ المعروفِ ما لَمْ ... تُبْتَذَلْ فيهِ الوُجُوهُ

إنما يَصْطَنِعُ المَعْـ ... ـرُوفَ في الناسِ ذَوُوهُ

وإنْ كانَ الاسمُ أو ما يَقُومُ مقامَه ممَّا يَصِحُّ أنْ يكونَ نَعتًا بغيرِ حاجةٍ إلى شيءٍ ـ وذلكَ الاسمُ المشتَقُّ والجملةُ ـ لم يَصِحَّ إضافةُ (ذو) إليه، ونَدَرَ نحوُ قولِهم: اذْهَبْ بذِي تَسْلَمُ، والمعنى: اذْهَبْ بطريقٍ ذِي سلامةٍ.

فتَلَّخَصَ أنَّ (ذو) لا تُضافُ إلى واحدٍ من أربعةِ أشياءَ: العَلَمِ، والضميرِ، والمشتَقِّ، والجملةِ، وأنها تُضافُ إلى اسمِ الجنسِ الجامدِ، سواءٌ أكانَ مَصدرًا أم لم يَكُنْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت