الصفحة 41 من 811

وهذه اللغةُ نادرةٌ في (أَبٍ) وتَالِيَيْهِ؛ ولهذا قالَ: (وفي أبٍ وتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ) ؛ أي: يَنْدُرُ النقصُ، واللغةُ الأخرَى في (أبٍ) وتَالِيَيْهِ أنْ يكونَ بالألفِ رفعًا ونصبًا وجرًّا، نحوُ: (هذا أباهُ وأخاهُ وحَماها، ورأيتُ أَبَاهُ وأخاه وحماها، ومَرَرْتُ بأباهُ وأخاهُ وحَماها) ، وعليه قولُ الشاعرِ:

6 -إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا [1]

(1) 6 - نَسَبَ العَيْنِيُّ والسيِّدُ المُرْتَضَى في (شرحِ القاموسِ) هذا البيتَ لأبي النَّجْمِ العِجْلِيِّ، ونَسَبَه الجَوْهَرِيُّ لِرُؤْبَةَ بنِ العَجَّاجِ، وذَكَرَ العَيْنِيُّ أنَّ أبا زيدٍ نَسَبَه في نوادِرِهِ لبعضِ أهلِ اليمنِ، وقد بَحَثْتُ النوادِرَ فلم أَجِدْ فيها هذا البيتَ، ولكنِّي وَجَدْتُ أبا زيدٍ أَنْشَدَ فيها عن أبي الغُولِ لبعضِ أهلِ اليمنِ:

أيَّ قَلُوصِ رَاكِبٍ تَرَاهَا ... طَارُوا عَلَيْهُنَّ فَشُلْ عَلاَهَا

واشْدُدْ بِمَثْنَى حَقَبٍ حَقْوَاهَا ... نَاجِيَةً ونَاجِيًا أَبَاهَا

وفي هذه الأبياتِ شاهدٌ للمسألةِ التي معَنا، وقافِيَتُها هي قافيةُ بيتِ الشاهدِ، ومِن هنا وَقَعَ السهوُ للعَيْنِيِّ، فأَمَّا الشاهدُ في هذه الأبياتِ ففي قَوْلِهِ: (ونَاجِيًا أَبَاها) ؛ فإنَّ (أبَاهَا) فاعلٌ بقولِه: (ناجيًا) وهذا الفاعلُ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدرةٍ على الألفِ منَعَ مِن ظُهُورِها التعذُّرُ، وهذه لغةُ القَصْرِ، ولو جاءَ به على لغةِ التمامِ لقالَ: (وناجيًا أبوها) .

الإعرابُ: (إِنَّ) حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (أباها) أبا: اسمُ إنَّ منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرةٍ على الألفِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ منصوبًا بالألفِ نِيابةً عن الفتحةِ؛ كما هو المشهورُ، وأبا مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (وَأَبَا) معطوفٌ على اسمِ إنَّ، وأبا مضافٌ وأبا مِن (أباها) مضافٌ إليه، وهو مضافٌ، والضميرُ مضافٌ إليه، (قَدْ) حرفُ تحقيقٍ، (بَلَغَا) فعلٌ ماضٍ، وألفُ الاثنيْنِ فاعلُه، والجملةُ في مَحَلِّ رَفْعِ خبرِ إنَّ، (فِي الْمَجْدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالفعلِ قبلَه، وهو بَلَغَ، (غَايَتَاهَا) مفعولٌ به لبَلَغَ على لغةِ مَن يُلْزِمُ المُثَنَّى الألفَ؛ أي: منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرةٍ على الألفِ مَنَعَ مِن ظُهُورِها التعذُّرُ، وغَايَتَا مضافٌ وضميرُ الغائبةِ مضافٌ إليه، وهذا الضميرُ عائدٌ على المَجْدِ، وإنما جاءَ به مُؤَنَّثًا ومِن حَقِّهِ التذكيرُ؛ لأنَّه اعْتَبَرَ المجدَ صِفَةً أو رُتْبَةً أو مَنْزِلَةً، والمرادُ بالغايَتَيْنِ المبدأُ والنهايةُ، أو نهايةُ مجدِ النسبِ ونهايةُ مجدِ الحَسَبِ، وهذا الأخيرُ أَحْسَنُ.

الشاهِدُ فيه: الذي يَتَعَيَّنُ الاستشهادُ به في هذا البيتِ لِمَا ذَكَرَ الشارحُ هو قولُه: (أَبَاهَا) الثالثةُ؛ لأنَّ الأولى والثانيةَ يَحْتَمِلانِ الإجراءَ على اللغةِ المشهورةِ الصحيحةِ كما رأيتَ في الإعرابِ، فيكونُ نَصْبُها بالألفِ، أما الثالثةُ فهي في موضعِ الجرِّ بإضافةِ ما قبلَها إليها، ومعَ ذلك جاءَ بها بالألفِ، والأرجحُ إجراءُ الأُولَيَيْنِ كالثالثةِ؛ لأنَّه يَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَجِيءَ الشاعرُ بكَلِمَةٍ واحدةٍ في بيتٍ واحدٍ على لغتيْنِ مختلفتيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت