الصفحة 33 من 811

والثاني: ما اخْتُلِفَ في بِنائِهِ، والراجِحُ أنه مبنيٌّ، وهو فعلُ الأمرِ، نحوُ: (اضْرِبْ) ، وهو مبنيٌّ عندَ البَصْرِيِّينَ، ومعربٌ عندَ الكُوفِيِّينَ [1] .

والمعرَبُ من الأفعالِ هو المضارِعُ، ولا يُعْرَبُ إلاَّ إذَا لم تَتَّصِلْ به نونُ التوكيدِ أو نونُ الإناثِ، فمثالُ نونِ التوكيدِ المباشِرَةِ (هلْ تَضْرِبَنَّ) ، والفعلُ معَها مبنيٌّ على الفتحِ، ولا فرقَ في ذلكَ بينَ الخفيفةِ والثقيلةِ [2] ، فإنْ لم تَتَّصِلْ به لم يُبْنَ، وذلك كما إذا فَصَلَ بينَه وبينَها ألفُ اثْنَيْنِ، نحوُ: (هلْ تَضْرِبَانِّ؟) وأصلُه: هل تَضْرِبَانِنَّ فاجْتَمَعَتْ ثلاثُ نوناتٍ، فحُذِفَتِ الأُولَى، وهي نونُ الرفعِ؛ كَراهةَ توالِي الأمثالِ، فصارَ (هل تَضْرِبَانِّ) [3] .

وكذلك يُعْرَبُ الفعلُ المضارِعُ إذا فَصَلَ بينَه وبينَ نونِ التوكيدِ واوُ جمعٍ أو ياءُ مخاطَبةٍ، نحوُ: (هلْ تَضْرِبُنَّ يا زَيْدُونَ) و (هل تَضْرِبِنَّ يا هِنْدُ) ، وأصلُ (تَضْرِبُنَّ) تَضْرِبُونَنَّ، فحُذِفَتِ النونُ الأُولَى؛ لتوالي الأمثالِ، كما سَبَقَ، فصارَ تَضْرِبُونَّ، فحُذِفَتِ الواوُ؛ لالتقاءِ الساكنيْنِ، فصارَ تَضْرِبُنَّ، وكذلك (تَضْرِبِنَّ) أصلُه تَضْرِبِينَنَّ، ففُعِلَ به ما فُعِلَ بتَضْرِبُونَنَّ.

وهذا هو المرادُ بقولِه: (وَأَعْرَبُوا مُضَارِعًا إنْ عَرِيا مِن نونِ توكيدٍ مباشِرٍ) ، فشَرْطٌ في إعرابِه أنْ يَعْرَى من ذلك، ومفهومُه: أنه إذا لم يَعْرَ منه يكونُ مَبْنِيًّا.

فعُلِمَ أنَّ مذهبَه أنَّ الفعلَ المضارِعَ لا يُبْنَى إلاَّ إذا باشَرَتْه نونُ التوكيدِ، نحوُ: (هلْ تَضْرِبَنَّ يا زَيْدُ) ، فإنْ لم تُباشِرْه أُعْرِبَ، وهذا هو مذهَبُ الجمهورِ.

وذَهَبَ الأخفشُ إلى أنه مبنيٌّ معَ نونِ التوكيدِ، سواءٌ اتَّصَلَتْ به نونُ التوكيدِ أو لم تَتَّصِلْ، ونُقِلَ عن بعضِهم أنه مُعْرَبٌ وإنِ اتَّصَلَتْ به نونُ التوكيدِ.

(1) عندَهم أنَّ نحوَ: (اضْرِبْ) مجزومٌ بلامِ الأمرِ مقدَّرَةً، وأصلُه لِتَضْرِبْ، فحُذِفَتِ اللامُ تخفيفًا، فصارَ (تَضْرِبْ) ثمَّ حُذِفَ حرفُ المضارعةِ قَصدًا للفرقِ بينَ هذا وبينَ المضارِعِ غيرِ المجزومِ عندَ الوقفِ عليه، فاحْتِيجَ بعدَ حذفِ حرفِ المضارعةِ إلى همزةِ الوصلِ تَوَصُّلًا للنطقِ بالساكنِ ـ وهو الضادُ ـ فصارَ (اضْرِبْ) . وفي هذا مِن التكلُّفِ ما ليسَ يَخْفَى.

(2) لا فَرْقَ في اتِّصالِ نونِ التوكيدِ بالفعلِ المضارِعِ ومباشرتِها له بينَ أنْ تكونَ ملفوظًا بها؛ كما في مِثالِ الشارِحِ، وأنْ تكونَ مُقَدَّرَةً كما في قولِ الشاعرِ، وهو الأضبطُ بنُ قُرَيْعٍ:

لا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يومًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَه

فإنَّ أصلَ قولِه: (لا تُهِينَ) لا تُهِينَنْ بنونيْنِ: أُولاهما لامُ الكَلِمَةِ، والثانيةُ نونُ التوكيدِ الخفيفةُ، فحُذِفَتْ نونُ التوكيدِ الخفيفةُ، وبَقِيَ الفعلُ بعدَ حذفِها مبنيًّا على الفتحِ في محلِّ جزمٍ بلامِ النهيِ، ولو لم تَكُنْ نونُ التوكيدِ مقدرةً في هذا الفعلِ لَوَجَبَ عليه أنْ يقولَ: لا تُهِنْ، بحذفِ الياءِ التي هي عينُ الفعلِ؛ تَخَلُّصًا من التقاءِ الساكنيْنِ، وهما الياءُ وآخرُ الفعلِ، ثمَّ يَكْسِرَ آخرُ الفعلِ؛ تَخَلُّصًا من التقاءِ ساكنيْنِ آخريْنِ هما آخرُ الفعلِ ولامُ التعريفِ التي في أوَّلِ (الفقيرَ) ؛ لأنَّ ألفَ الوصلِ لا يُعْتَدُّ بها؛ إذ هي غيرُ منطوقٍ بها، فلَمَّا وَجَدْنَاهُ لم يَحْذِفِ الياءَ عَلِمْنَا أنه قد حَذَفَ نونَ التوكيدِ وهو يَنْوِيهَا.

(3) أي: بعدَ أنْ حَرَّكَ نونَ التوكيدِ بالكسرِ بعدَ أنْ كانَتْ مفتوحةً؛ فرقًا بينَها وبينَ نونِ التوكيدِ التي تَتَّصِلُ بالفعلِ المسنَدِ للواحدِ في اللفظِ، فإنَّ ألفَ الاثنيْنِ تَظْهَرُ في النطقِ كحركةٍ مُشبَعةٍ، فلو لم تُكْسَرِ النونُ في المُثَنَّى الْتَبَسَ المُسْنَدُ للاثنيْنِ في اللفظِ بالمسندِ إلى المفردِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت