ومثالُ ما اتَّصَلَتْ به نونُ الإناثِ: (الهِنْدَاتُ يَضْرِبْنَ) ، والفعلُ معَها مبنيٌّ على السكونِ، ونَقَلَ المصنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى في بعضِ كُتُبِه أنه لا خِلافَ في بِناءِ الفعلِ المضارِعِ معَ نونِ الإناثِ، وليسَ كذلكَ، بل الخلافُ موجودٌ، ومِمَّن نَقَلَه الأستاذُ أبو الحسنِ بنُ عُصْفُورٍ في (شرحِ الإيضاحِ) [1] .
وكُلُّ حَرْفٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْبِنَا ... والأصلُ في المَبْنِيِّ أنْ يُسَكَّنَا [2]
ومِنْهُ ذُو فَتْحٍ وذُو كَسْرٍ وضَمْ كأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ والساكِنُ كَمْ [3]
الحروفُ كلُّها مبنيَّةٌ؛ إذ لا يَعْتَوِرُها ما تَفْتَقِرُ في دَلالتِها عليه إلى إعرابٍ، نحوُ: (أَخَذْتُ مِن الدَّرَاهِمِ) فالتبعيضُ مُستفادٌ مِن لفظِ (مِن) بدونِ الإعرابِ.
والأصلُ في البِناءِ أنْ يكونَ على السكونِ؛ لأنَّه أخفُّ من الحركةِ، ولا يُحَرَّكُ المَبْنِيُّ إلاَّ لسببٍ؛ كالتخَلُّصِ مِن الْتِقَاءِ الساكنيْنِ، وقد تكونُ الحركةُ فتحةً كأينَ وقامَ وإنَّ، وقد تكونُ كسرةً كأمسِ وجَيْرِ، وقد تكونُ ضَمَّةً كحيثُ، وهو اسمٌ، و (مُنْذُ) وهو حرفٌ إذا جَرَرْتَ به، وأمَّا السكونُ فنحوُ: (كَمْ واضْرِبْ وأَجَلْ) .
وعُلِمَ مِمَّا مَثَّلْنَا به أنَّ البناءَ على الكسرِ والضمِّ لا يكونُ في الفعلِ، بل في الاسمِ والحرفِ، وأنَّ البناءَ على الفتحِ أو السكونِ يكونُ في الاسمِ والفعلِ والحرفِ [4] .
(1) مِمَّنْ قالَ بإعرابِه السُّهَيْلِيُّ وابنُ دَرَسْتَوَيْهَ وابنُ طَلْحَةَ، ورأيُهم أنه معربٌ بإعرابٍ مقدَّرٍ مَنَعَ من ظُهُورِه شَبَهُه بالماضِي في صيرورةِ النونِ جُزءًا مِنه، فتقولُ في نحوِ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} : يُرْضِعْنَ فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدرةٍ على آخرِه، مَنَعَ ظُهُورَها شَبَهُ يُرْضِعْنَ بأَرْضَعْنَ في أنَّ النونَ قد صَارَتْ فيه جُزءًا منه.
(2) (كلُّ) مبتدأٌ، وكلُّ مضافٌ و (حرفٍ) مضافٌ إليه، (مُسْتَحِقٌّ) خبرُ المبتدأِ، (لِلْبِنَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمُسْتَحِقٌّ، (والأصلُ) مبتدأٌ، (في المبنيِّ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالأصلِ، (أنْ) مصدريَّةٌ، (يُسَكَّنَا) فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ منصوبٌ بأنْ، والألفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى المبنيِّ، وأنْ وما دَخَلَتْ عليه في تأويلِ مصدرٍ خبرُ المبتدأِ، والتقديرُ: والأصلُ في المبنيِّ تَسْكِينُه، والمرادُ كونُه ساكنًا.
(3) (ومِنهُ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّمٍ، (ذُو) مبتدأٌ مؤخَّرٌ مرفوعٌ بالواوِ نيابةً عن الضمَّةِ؛ لأنَّه من الأسماءِ الستَّةِ، وذو مضافٌ و (فَتْحٍ) مضافٌ إليه، (وذُو) معطوفٌ على ذُو السابقِ، (كَسْرٍ) مضافٌ إليه، (وضَمٍّ) معطوفٌ على كسرٍ بتقديرِ مضافٍ؛ أي: وذو ضَمٍّ، (كأَيْنَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، (أَمْسِ حيثُ) معطوفانِ على أينَ بحرفِ عطفٍ محذوفٍ، (والسَّاكِنُ) الواوُ عاطفةٌ أو للاستئنافِ، الساكنُ: مبتدأٌ، (كَمْ) خبرُ المبتدأِ، ويجوزُ العكسُ.
(4) ذَكَرَ الناظِمُ والشارحُ أنَّ مِن المبنيَّاتِ ما يكونُ بناؤُه على السكونِ، ومنه ما يكونُ بناؤُه على حركةٍ من الحركاتِ الثلاثِ.
واعْلَمْ أنه يَنُوبُ عن السكونِ في البناءِ الحذفُ، والحذفُ يَقَعُ في موضعيْنِ: الأوَّلُ: الأمرُ المعتلُّ الآخِرِ. نحوُ: اغْزُ وارْمِ واسْعَ، والثاني: الأمرُ المسندُ إلى ألفِ اثنيْنِ أو واوِ جماعةٍ أو ياءِ مخاطبةٍ، نحوُ: اكْتُبَا واكْتُبُوا واكْتُبِي، وأنه يَنُوبُ عن الفتحِ في البناءِ شيئانِ:
أوَّلُهما: الكسرُ، وذلك في جمعِ المؤنَّثِ السالِمِ إذا وَقَعَ اسْمًا للا النافيةِ للجِنسِ، نحوَ: لا مُسْلِماتِ.
وثانيهما: الياءُ، وذلك في جمعِ المذكَّرِ السالِمِ والمثنَّى إذا وَقَعَ أحدُهما اسمًا للا النافيةِ للجنسِ أيضًًا، نحوُ: لا مُسْلِمين، وأنه يَنُوبُ عن الضمِّ في البناءِ شيئانِ: أحدُهما: الألفُ، وذلك في المثنَّى إذا وَقَعَ مُنادًى نحوَ: يا زيدانِ، وثانيهما: الواوُ، وذلك في جمعِ المذكَّرِ السالمِ إذا وقَعَ منادًى أيضًًا، نحوَ: يا زَيْدُونَ.