الصفحة 32 من 811

لَمَّا فَرَغَ مِن بيانِ المعرَبِ والمَبْنِيِّ مِن الأسماءِ شَرَعَ في بيانِ المعرَبِ والمبنيِّ من الأفعالِ، ومذهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ الإعرابَ أصلٌ في الأسماءِ فرعٌ في الأفعالِ [1] ، فالأصلُ في الفعلِ البناءُ عندَهم، وذهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الإعرابَ أصلٌ في الأسماءِ وفي الأفعالِ، والأوَّلُ هو الصحيحُ، ونَقَلَ ضِيَاءُ الدِّينِ بنُ العِلْجِ في (البسيطِ) أنَّ بعضَ النحويِّينَ ذهَبَ إلى أنَّ الإعرابَ أصلٌ في الأفعالِ فرعٌ في الأسماءِ.

والمبنيُّ من الأفعالِ ضَربانِ:

أحدُهما: ما اتُّفِقَ على بنائِه، وهو الماضِي، وهو مبنيٌّ على الفتحِ [2] نحوُ:) ضَرَبَ وانْطَلَقَ) ما لم يَتَّصِلْ به واوُ جَمْعٍ فيُضَمَّ أو ضميرُ رفعٍ متحرِّكٌ فيُسَكَّنَ.

(1) لَمَّا كانَ الأصلُ عندَ البَصْرِيِّينَ في الأسماءِ الإعرابَ، فإنَّ ما كانَ منها مُعْرَبًا لا يُسْأَلُ عن عِلَّةِ إعرابِه؛ لأنَّ ما جاءَ على أصلِه لا يُسْأَلُ عن عِلَّتِه، وما جاءَ مِنها مَبْنِيًّا يُسْأَلُ عن عِلَّةِ بِنائِه، وقد تَقَدَّمَ للناظمِ والشارِحِ بيانُ عِلَّةِ بِناءِ الاسمِ، وأنها مُشَابَهَتُه للحرفِ، ولَمَّا كانَ الأصلُ في الأفعالِ عندَهم أيضًا البناءَ، فإنَّ ما جاءَ منها مبنيًّا لا يُسْأَلُ عن عِلَّةِ بِنائِه، وإنما يُسْأَلُ عن عِلَّةِ إعرابِ ما أُعْرِبَ منه وهو المضارِعُ، وعِلَّةُ إعرابِ الفعلِ المضارِعِ عندَ البَصريِّينَ أنه أَشْبَهَ الاسمَ في أنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما يَتَوَارَدُ عليه معانٍ تركيبيَّةٌ لا يَتَّضِحُ التمييزُ بينَها إلا بالإعرابِ.

فأمَّا المعانِي التي تَتَوَارَدُ على الاسمِ فمِثلُ الفاعليَّةِ والمفعوليَّةِ والإضافةِ في نحوِ قولِكَ: ما أَحْسَنَ زيدٌ، فإنك لو رَفَعْتَ زيدًا لكانَ فاعلًا، وصارَ المرادُ نَفْيَ إحسانِه، ولو نَصَبْتَه لكانَ مفعولًا به وصارَ المرادُ التعجُّبَ مِن حُسْنِهِ، ولو جَرَرْتَه لكانَ مُضَافًا إليه، وصارَ المرادُ الاستفهامَ عن أحسنِ أجزائِه.

وأما المعانِي التي تَتَوَارَدُ على الفعلِ فمثلُ النهيِ عن الفعليْنِ جميعًا أو عن الأوَّلِ مِنهما وحدَه، أو عن فِعْلِهِما متصاحبيْنِ في نحوِ قولِكَ: لا تُعْنَ بالجفاءِ وتَمْدَحْ عَمْرًا، فَإِنَّكَ لو جَزَمْتَ (تَمْدَحْ) لكنتَ منهيًّا عنه استقلالًا، وصارَ المرادُ أنه لا يَجُوزُ لكَ أنْ تُعْنَى بالجفاءِ ولا أنْ تَمْدَحَ عمرًا، ولو رَفَعْتَ (تَمْدَحُ) لكانَ مُسْتَأْنَفًا غيرَ داخلٍ في حكمِ النهيِ، وصارَ المرادُ أنَّكَ منهيٌّ عن الجفاءِ، مأذونٌ لكَ في مدحِ عمرٍو، ولو نَصَبْتَه لكانَ معمولًا لأنِ المصدريَّةِ المقدَّرَةِ بعدَ واوِ المَعِيَّةِ، وصارَ المرادُ أنَّكَ منهيٌّ عن الجمعِ بينَ الجفاءِ ومدحِ عمرٍو، وأنكَ لو فَعَلْتَ أيَّهُما مُنْفَرِدًا جازَ.

(2) بُنِيَ الفعلُ الماضي لأنَّ البناءَ هو الأصلُ، وإنما كانَ بناؤُه على حركةٍ، معَ أنَّ الأصلَ في البناءِ السكونُ؛ لأنَّه أَشْبَهَ الفعلَ المضارِعَ المعرَبَ في وقوعِه خبرًا وصِفَةً وصِلَةً وحَالًا، والأصلُ في الإعرابِ أنْ يكونَ بالحركاتِ، وإنما كانَتِ الحركةُ في الفعلِ الماضي خُصُوصَ الفتحةِ؛ لأنَّها أخفُّ الحركاتِ، فقَصَدُوا أنْ تَتَعَادَلَ خِفَّتُها معَ ثِقَلِ الفعلِ بسببِ كونِ معناه مركَّبًا؛ لئلا يَجْتَمِعَ ثَقيلانِ في شيءٍ واحدٍ، وتركيبُ معناه هو دَلالتُه على الحدثِ والزمانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت