الصفحة 29 من 811

أَقُمْ)، وفي الحالتيْنِ هي مُشْبِهَةٌ لحرفٍ موجودٍ؛ لأنَّها في الاستفهامِ كالهمزةِ، وفي الشرطِ كإنْ, ومثالُ الثاني: (هنا) ؛ فإنَّها مبنيَّةٌ لِشَبَهِها حرفًا كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ فلم يُوضَعْ.

وذلكَ لأنَّ الإشارةَ معنًى من المعاني، فحقُّها أنْ يُوضَعَ لها حرفٌ يَدُلُّ عليها، كما وَضَعُوا للنفيِ (ما) وللنهيِ (لا) وللتمنِّي (لَيْتَ) وللترَجِّي (لَعَلَّ) ، ونحوَ ذلك، فبُنِيَتْ أسماءُ الإشارةِ لِشَبَهِها في المعنى حرفًا مُقَدَّرًا [1] .

والثالثُ: شَبَهُه له في النيابةِ عن الفعلِ وعدمِ التأثُّرِ بالعاملِ؛ وذلك كأسماءِ الأفعالِ، نحوِ: (دَرَاكِ زيدًا) فدَرَاكِ مبنيٌّ؛ لِشَبَهِهِ بالحرفِ في كونِه يَعْمَلُ ولا يَعْمَلُ فيه غيرُه [2] كما أنَّ الحرفَ كذلك.

واحْتَرَزَ بقولِهِ: (بِلاَ تَأَثُّرٍ) عمَّا نابَ عن الفعلِ وهو متأثِّرٌ بالعاملِ، نحوِ: (ضَربًا زيدًا) فإنَّه نائبٌ منابَ (اضْرِبْ) وليسَ بمبنيٍّ؛ لتَأَثُّرِهِ بالعاملِ؛ فإنَّه منصوبٌ بالفعلِ المحذوفِ، بخلافِ (دَرَاكِ) فإنَّه وإنْ كانَ نائبًا عن (أَدْرِكْ) فليسَ متأثِّرًا بالعاملِ.

وحاصلُ ما ذَكَرَهُ المصنِّفُ: أنَّ المصدرَ الموضوعَ موضعَ الفعلِ وأسماءَ الأفعالِ اشْتَرَكَا في النيابةِ مَنابَ الفعلِ، لكنَّ المصدرَ متأثِّرٌ بالعاملِ، فأُعْرِبَ لعدمِ مُشابَهَتِه الحرفَ، وأسماءَ الأفعالِ غيرُ متأثِّرَةٍ بالعاملِ فبُنِيَتْ لمُشَابَهَتِها الحرفَ في أنها نائِبَةٌ عن الفعلِ وغيرُ متأثِّرةٍ به.

وهذا الذي ذَكَرَه المصنِّفُ مبنيٌّ على أنَّ أسماءَ الأفعالِ لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ، والمسألةُ خِلافِيَّةٌ [3] وسَنَذْكُرُ ذلكَ في بابِ أسماءِ الأفعالِ.

(1) نَقَلَ ابنُ فَلاحٍ عن أبي عليٍّ الفارِسِيِّ أنَّ أسماءَ الإشارةِ مبنيَّةٌ؛ لأنَّها مِن حيثُ المعنَى أَشْبَهَتْ حَرفًا موجودًا، وهو ألِ العهديَّةُ؛ فإنَّها تُشِيرُ إلى معهودٍ بينَ المتكلِّمِ والمُخاطَبِ، ولمَّا كانَتِ الإشارةُ في هنا ونحوِها حِسِّيَّةً وفي ألِ العهديَّةِ ذِهْنِيَّةً لم يَرْتَضِ المُحَقِّقُونَ ذلك، وذَهَبُوا إلى ما ذَكَرَه الشارِحُ مِن أنَّ أسماءَ الإشارةِ بُنِيَتْ لِشَبَهِهَا في المعنَى حرفًا مقدَّرًا.

ونظيرُ (هنا) فيما ذَكَرْنَاه (لَدَى) ؛ فإنَّها دالَّةٌ على المُلاصَقَةِ والقُرْبِ زِيَادَةً على الظرفيَّةِ، والمُلاصقةُ والقُرْبُ من المعاني التي لم تَضَعِ العربُ لها حرفًا، وأيضًًا (ما) التعجبيَّةُ؛ فإنَّها دالَّةٌ على التعجُّبِ، ولم تَضَعِ العربُ للتعجُّبِ حرفًا، فيكونُ بناءُ كلِّ واحدٍ مِن هذين الاسميْنِ لشَبَهِهِ في المعنى حرفًا مقدَّرًا. فافْهَمْ ذلك.

(2) اسمُ الفعلِ ما دامَ مقصودًا معناه لا يَدْخُلُ عليه عاملٌ أصلًا، فَضْلًا عن أنْ يَعْمَلَ فيه، وعبارةُ الشارحِ كغيرِه تُوهِمُ أنَّ العواملَ قد تَدْخُلُ عليه ولكنَّها لا تُؤَثِّرُ فيه، فكانَ الأَوْلَى به أنْ يقولَ: (ولا يَدْخُلُ عليه عاملٌ أصلًا) بدلًا من قولِه: (ولا يَعْمَلُ فيه غيرُه) ، وقولُنا: (ما دامَ مقصودًا منه معناه) نُرِيدُ به الإشارةَ إلى أنَّ اسمَ الفعلِ إذا لم يُقْصَدْ به معناهُ، بأنْ يُقْصَدَ لفظُه مثلًا ـ فإنَّ العاملَ قد يَدْخُلُ عليه، وذلكَ كما في قولِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى المُزَنِيِّ:

وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أَنْتَ إِذَا ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ

فنَزَالِ في هذا البيتِ مقصودٌ بها اللفظُ؛ ولذلكَ وَقَعَتْ نائبَ فاعلٍ، فهي مرفوعةٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على آخِرِها، مَنَعَ مِن ظُهُورِها اشتغالُ المَحَلِّ بحركةِ البناءِ الأصليِّ، ومِثْلُه قولُ زَيْدِ الخَيْلِ:

وقَدْ عَلِمَتْ سَلاَمَةُ أنَّ سَيْفِي ... كَرِيهٌ كُلَّمَا دُعِيَتْ نَزَالِ

ونظيرُهما قولُ جُرَيْبَةَ الفَقْعَسِيِّ:

عَرَضْنَا نَزَالِ فَلَمْ يَنْزِلُوا ... وكَانَتْ نَزَالِ عليهمْ أَطَمْ

(3) إذا قُلْتَ (هَيْهَاتَ زَيْدٌ) مثلًا فللعلماءِ في إعرابِه ثلاثةُ آراءٍ:

الأوَّلُ ـ وهو مَذْهَبُ الأَخْفَشِ، وهو الصحيحُ الذي رَجَّحَهُ جمهورُ علماءِ النحوِ ـ: أنَّ هَيْهَاتَ اسمُ فعلٍ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، وزَيْدٌ: فاعلٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ، وهذا الرأيُ هو الذي عليه قولُ الناظمِ: إنَّ سببَ البناءِ في أسماءِ الأفعالِ كونُها نائبةً عن الفعلِ وغيرَ متأثِّرةٍ بعاملٍ؛ لا ملفوظٍ به ولا مقدَّرٍ.

والثاني ـ وهو رأيُ سِيبَوَيْهِ ـ: أنَّ هَيْهَاتَ مبتدأٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ رفعٍ، فهو متأثِّرٌ بعاملٍ معنويٍّ وهو الابتداءُ، وزيدٌ: فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبرِ.

والثالثُ ـ وهو رأيُ المَازِنِيِّ ـ: أنَّ هيهاتَ مفعولٌ مُطْلَقٌ لفعلٍ محذوفٍ مِن معناه، وزَيْدٌ: فاعلٌ به، وكأنك قلتَ: بَعُدَ بُعْدًا زيدٌ، فهو متأثِّرٌ بعاملٍ لفظيٍّ محذوفٍ من الكلامِ. ولا يَجْرِي كلامُ الناظمِ على واحدٍ من هذين القوليْنِ: الثاني والثالثِ، وعِلَّةُ بناءِ اسمِ الفعلِ على هذين القوليْنِ تَضَمُّنُ أغلبِ ألفاظِه ـ وهي الألفاظُ الدالَّةُ على الأمرِ منه ـ معنى لامِ الأمرِ، وسائِرُه محمولٌ عليه، يَعنِي أنَّ اسمَ الفعلِ، على هذين الرأييْنِ أَشْبَهَ الحرفَ شَبَهًا معنويًّا لا نِيابيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت