والرابِعُ: شَبَهُ الحرفِ في الافتقارِ اللازمِ، وإليه أشارَ بقولِه: (وكَافْتِقَارٍ أُصِّلاَ) وذلك كالأسماءِ الموصولةِ، نحوِ: (الذي) فإنَّها مفتقِرَةٌ في سائرِ أحوالِها إلى الصِّلَةِ، فأَشْبَهَتِ الحرفَ في مُلازمةِ الافتقارِ فبُنِيَتْ [1] .
وحاصلُ البيتيْنِ: أنَّ البناءَ يكونُ في سِتَّةِ أبوابٍ: المُضْمَرَاتِ, وأسماءِ الشرطِ، وأسماءِ الاستفهامِ، وأسماءِ الإشارةِ، وأسماءِ الأفعالِ، والأسماءِ الموصولةِ.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الحَرْفِ كأَرْضٍ وَسُمَا [2]
(1) زادَ ابنُ مالكٍ في شَرْحِ الكافِيَةِ الكُبْرَى نوعًا خامسًا سَمَّاه الشَّبَهَ الإهماليَّ، وفَسَّرَه بأنْ يُشْبِهَ الاسمُ الحرفَ في كونِه لا عاملًا ولا معمولًا.
ومَثَّلَ له بأوائلِ السُّوَرِ، نحوِ: (الم، ق، ص) وهذا جارٍ على القولِ بأنَّ فواتحَ السورِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ لأنَّها من المُتشابِهِ الذي لا يُدْرَكُ معناه، وقيلَ: إنها في محَلِّ رفعٍ على أنها مُبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أو خبرٌ مبتدؤُه محذوفٌ، أو في محلِّ نصبٍ بفعلٍ مقدَّرٍ؛ كاقْرَأْ ونحوِه، أو في محلِّ جرٍّ بواوِ القَسَمِ المحذوفةِ، وجَعَلَ بعضُهم مِن هذا النوعِ الأسماءَ قبلَ التركيبِ، وأسماءَ الهِجاءِ المسرودةَ، وأسماءَ العددِ المسرودةَ، وزادَ ابنُ مالكٍ أيضًًا نوعًا سادسًا سَمَّاهُ الشَّبَهَ اللفظيَّ، وهو: أنْ يكونَ لفظُ الاسمِ كلفظِ حرفٍ من حروفِ المعاني، وذلك مِثلُ (حاشَا) الاسميَّةِ؛ فإنَّها أَشْبَهَتْ (حاشَا) الحرفيَّةَ في اللفظِ.
واعْلَمْ أنه قد يَجْتَمِعُ في اسمٍ واحدٍ مبنيٍّ شَبَهَانِ فأكثرُ، ومِن ذلك المُضْمَرَاتُ؛ فإنَّ فيها الشَّبَهَ المعنويَّ؛ إذ التكلُّمُ والخِطابُ والغَيبةُ من المعاني التي تَتَأَدَّى بالحروفِ، وفيها الشَّبَهُ الافتقاريُّ؛ لأنَّ كلَّ ضميرٍ يَفْتَقِرُ افتقارًا متأصِّلًا إلى ما يُفَسِّرُه، وفيها الشَّبَهُ الوضعيُّ، فإنَّ أغلبَ الضمائرِ وُضِعَ على حرفٍ أو حرفيْنِ، وما زادَ في وَضْعِه على ذلك فمحمولٌ عليه؛ طَرْدًا للبابِ على وَتِيرةٍ واحدةٍ، وقد نَصَّ على ذلكَ ابنُ مالكٍ في مَتْنِ (التَّسْهِيلِ) .
(2) (ومُعْرَبُ) مبتدأٌ، ومعربُ مضافٌ و (الأسماءِ) مضافٌ إليه، (مَا) اسمٌ موصولٌ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، (قَدْ سَلِمَا) قد: حرفُ تحقيقٍ، وسَلِمَ: فعلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ لا محلَّ لها من الإعرابِ صِلَةُ الموصولِ، والألفُ في (سَلِمَا) للإطلاقِ، (مِن شَبَهِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: سَلِمَ، و (شَبَهِ) مضافٌ، و (الحرفِ) مضافٌ إليه، (كَأَرْضٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلك كائنٌ كأرضٍ، (وَسُمَا) الواوُ حرفُ عطفٍ، سُمَا: معطوفٌ على أرضٍ، مجرورٌ بكسرةٍ مقدَّرةٍ على آخِرِه منَعَ من ظُهُورِها التعذُّرُ، وهو ـ بضمِّ السينِ مقصورًا ـ إحدَى اللغاتِ في اسمٍ كما سَيَذْكُرُه الشارِحُ، ونظيرُه في الوزنِ هُدًى وعُلًا وتُقًى وضُحًا.
وههنا سؤالٌ، وهو أنَّ الناظمَ في ترجمةِ هذا البابِ بَدَأَ بالمعربِ وثنَّى بالمبنيِّ فقالَ: (المُعْرَبُ والمبنيُّ) وحينَ أرادَ التقسيمَ بَدَأَ بالمعربِ أيضًًا فقالَ: (والاسمُ منه معربٌ ومَبْنِي) ولكنَّه حينَ بَدَأَ في التفصيلِ وتعريفِ كلِّ واحدٍ مِنهما بَدَأَ بالمبنيِّ وأَخَّرَ المعربَ، فما وَجْهُهُ؟
والجوابُ عن ذلك: أنه بَدَأَ في الترجمةِ والتقسيمِ بالمعرَبِ؛ لكونِه أشرفَ من المبنيِّ؛ بسببِ كونِه هو الأصلَ في الأسماءِ، وبَدَأَ في التعريفِ بالمبنيِّ لكونِه منحصِرًا، والمعربُ غيرُ منحصِرٍ، ألاَ تَرَى أنَّ خُلاصةَ الكلامِ في أسبابِ البناءِ قد أَنْتَجَتْ أنَّ المبنيَّ مِن الأسماءِ سِتَّةُ أبوابٍ ليسَ غيرُ؟!.