الصفحة 28 من 811

وَكَنِيَابَةٍ عَنِ الْفِعْلِ بِلاَ ... تَأَثُّرٍ وَكَافْتِقَارٍ أُصِّلاَ [1]

ذكَرَ في هذين البيتيْنِ وُجُوهَ شَبَهِ الاسمِ بالحرفِ في أربعةِ مواضعَ:

فالأوَّلُ: شَبَهُه له في الوَضْعِ، كأنْ يكونَ الاسمُ موضوعًا على حرفٍ واحدٍ، كالتاءِ في ضَرَبْتُ، أو على حرفيْنِ، كـ (نا) في (أَكْرَمْنَا) ، وإلى ذلك أشارَ بقولِه في (اسْمَي جِئْتَنَا) ، فالتاءُ في جِئْتَنَا اسمٌ؛ لأنَّه فاعلٌ، وهو مبنيٌّ؛ لأنَّه أَشْبَهَ الحرفَ في الوضعِ في كونِهِ على حرفٍ واحدٍ، وكذلك (نا) اسمٌ؛ لأنَّها مفعولٌ، وهو مبنيٌّ لِشَبَهِهِ بالحرفِ في الوضعِ في كونِه على حرفيْنِ [2] .

والثاني: شَبَهُ الاسمِ له في المعنَى، وهو قسمانِ: أحدُهما: ما أَشْبَهَ حرفًا موجودًا، والثاني: ما أَشْبَهَ حرفًا غيرَ موجودٍ، فمثالُ الأوَّلِ (متَى) فإنَّها مبنيَّةٌ؛ لِشَبَهِها الحرفَ في المعنى، فإنَّها تُسْتَعْمَلُ للاستفهامِ، نحوُ: (متَى تَقُومُ) وللشرطِ، نحوُ: (متَى تَقُمْ

(1) (وكنيابةٍ) الواوُ عاطفةٌ، والجارُّ والمجرورُ معطوفٌ على كالشَّبَهِ، (عن الفعلِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بنيابةٍ (بلا تَأَثُّرٍ) الباءُ حرفُ جرٍّ، ولا اسمٌ بمعنى غيرِ مجرورٌ بالباءِ، وظَهَرَ إعرابُه على ما بعدَه بطريقِ العارِيَّةِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٍ لنيابةٍ، ولا مضافٌ وتَأَثُّرٍ مضافٌ إليه مجرورٌ بكسرةٍ مقدَّرةٍ على آخِرِه، مَنَعَ مِن ظُهُورِها اشتغالُ المحَلِّ بحركةِ العاريَّةِ التي يَقْتَضِيها ما قبلَه، (وكَافْتِقَارٍ) الواوُ حرفُ عطفٍ، والجارُّ والمجرورُ معطوفٌ على كَنِيَابَةٍ، (أُصِّلاَ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو، يَعُودُ على افتقارٍ، والجملةُ من الفعلِ ونائبِ الفاعلِ في محلِّ جرِّ نعتٍ لافتقارٍ، وتقديرُ البيتِ: ومثلُ النيابةِ عن الفعلِ في العملِ معَ أنه لا يَتَأَثَّرُ بالعاملِ، ومثلُ الافتقارِ المتأصِّلِ، والافتقارُ المتأصِّلُ هو الافتقارُ اللازمُ له، الذي لا يُفارِقُه في حالةٍ مِن حالاتِه.

(2) الأصلُ في وضعِ الحرفِ أنْ يكونَ على حرفِ هِجاءٍ واحدٍ؛ كباءِ الجرِّ ولامِه وكافِه وفاءِ العطفِ وواوِه وألفِ الاستفهامِ وما شاكَلَ ذلك، أو على حَرْفَي هِجاءٍ ثانِيهما لَيِّنٌ؛ كلا وما النافيتيْنِ، والأصلُ في وضعِ الاسمِ أنْ يكونَ على ثلاثةِ أحرفٍ فصاعِدًا، كما لا يُحْصَى مِن الأسماءِ، فما زادَ من حروفِ المعاني على حرفيْنِ من حروفِ الهجاءِ، مِثلُ: إنَّ ولَيْتَ وإلاَّ وثُمَّ ولعلَّ ولكِنَّ فهو خارجٌ عن الأصلِ في نوعِه، وما نَقَص من الأسماءِ عن ثلاثةِ الأحرفِ كتاءِ الفاعلِ ونا وأكثرِ الضمائرِ فهو خارجٌ عن الأصلِ في نوعِه، وما خرَجَ من الحروفِ عن الأصلِ في نوعِه قد أَشْبَهَ الأسماءَ، وما خَرَجَ مِن الأسماءِ عن الأصلِ في نوعِه أَشْبَهَ الحروفَ، وكِلا الشَّبَهَيْنِ راجعٌ إلى الوضعِ.

وكانَ ذلك يَقْتَضِي أنْ يَأْخُذَ المُشَبَّهُ حُكْمَ المُشَبَّهِ به في الموضعيْنِ، إلا أنهم أَعْطَوْا الاسمَ الذي يُشْبِهُ الحرفَ حُكْمَ الحرفِ، وهو البناءُ، ولم يُعْطُوا الحرفَ الذي أَشْبَهَ الاسمَ حُكْمَ الاسمِ، وهو الإعرابُ، لسببيْنِ:

أوَّلُهما: أنَّ الحرفَ حِينَ أَشْبَهَ الاسمَ قد أَشْبَهَه في شيءٍ لا يَخُصُّه وحدَه، فإنَّ الأصلَ في وضعِ الفعلِ أيضًًا أنْ يكونَ على ثلاثةِ أحرفٍ، بخلافِ الاسمِ الذي قد أَشْبَهَ الحرفَ، فإنَّه قد أَشْبَهَهُ في شيءٍ يَخُصُّه ولا يَتَجَاوَزُه إلى نوعٍ آخرَ من أنواعِ الكَلِمَةِ.

والسببُ الثاني: أنَّ الحرفَ لا يَحْتَاجُ في حالةٍ ما إلى الإعرابِ؛ لأنَّ الإعرابَ إنما يَحْتَاجُ إليه من أنواعِ الكَلِمَةِ ما يَقَعُ في مواقعَ متعدِّدةٍ من التراكيبِ بحيثُ لا يَتَمَيَّزُ بعضُها عن بعضٍ بغيرِ الإعرابِ، والحرفُ لا يَقَعُ في هذه المواقعِ المتعدِّدَةِ، فلم يَكُنْ ثَمَّةَ ما يَدْعُو إلى أنْ يَأْخُذَ حكمَ الاسمِ حينَ يُشْبِهُه، ومعنى هذا الكلامِ أنَّ في مُشابَهَةِ الحرفِ للاسمِ قد وُجِدَ المُقْتَضِي ولكن لم يَنْتَفِ المانعُ، فالمُقْتَضِي هو شَبَهُ الاسمِ، والمانعُ هو عدمُ تَوَارُدِ المعاني المختلفةِ عليه، وشرطُ تأثيرِ المُقْتَضِي أنْ يَنْتَفِيَ المانِعُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت