ويَمْتَازُ أيضًا بياءِ (افْعَلِي) والمرادُ بها ياءُ الفاعلةِ، وتَلْحَقُ فعلَ الأمرِ، نحوَ: راضْرِبِي) والفعلَ المضارعَ، نحوَ: (تَضْرِبِينَ) ولا تَلْحَقُ الماضِيَ.
وإنما قالَ المصنِّفُ: (يا افْعَلِي) ولم يَقُلْ: (ياءِ الضميرِ) ؛ لأنَّ هذه تدخُلُ فيها ياءُ المتكلِّمِ، وهي لا تَخْتَصُّ بالفعلِ، بل تكونُ فيه، نحوُ: (أَكْرَمَنِي) وفي الاسمِ، نحوُ: (غُلامِي) ، وفي الحرفِ، نحوُ: (إنِّي) ، بخلافِ ياءِ (افْعَلِي) فإنَّ المرادَ بها ياءُ الفاعلةِ على ما تَقَدَّمَ، وهي لا تكونُ إلاَّ في الفعلِ.
وممَّا يُمَيِّزُ الفعلَ نونُ (أَقْبِلَنَّ) والمرادُ بها نونُ التوكيدِ، خفيفةً كانَتْ أو ثقيلةً، فالخفيفةُ نحوُ قولِه تعالى: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} ، والثقيلةُ نحوُ قولِه تعالى: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ} .
فمعنى البيتِ: يَنْجَلِي الفعلُ بتاءِ الفاعلِ وتاءِ التأنيثِ الساكنةِ [1] وياءِ الفاعلةِ ونونِ التوكيدِ.
سِوَاهُمَا الْحَرْفُ كَهَلْ وَفِي وَلَمْ ... فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمْ [2]
وَمَاضِيَ الأَفْعَالِ بِالتَّا مِزْ وَسِمْ ... بِالنُّونِ فِعْلَ الأَمْرِ إِنْ أَمْرٌ فُهِمْ [3]
(1) بقَبولِ تاءِ التأنيثِ وتاءِ الفاعلِ أَبْطَلَ الجمهورُ مَذْهَبَ القائلِ بأنَّ (ليسَ) حرفٌ، ومَذْهَبَ القائلِ بأنَّ (عَسَى) حرفٌ، وبقَبُولِ تاءِ التأنيثِ وَحْدَها أَبْطَلُوا مَذْهَبَ القائلِ بأنَّ (نِعْمَ) و (بِئْسَ) اسمانِ.
(2) (سِوَاهُمَا) سِوَى: خبرٌ مقدَّمٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على الألفِ، مَنَعَ مِن ظُهُورِها التعذُّرُ، وسِوَى مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (الحَرْفُ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، ويَجُوزُ العكسُ، لكنَّ الأَوْلَى ما قَدَّمْنَاهُ، (كَهَلْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلكَ كَهَلْ، (وفي، ولم) معطوفانِ على هلْ، (فِعْلٌ) مبتدأٌ، (مضارِعٌ) نعتٌ له، (يَلِي) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا، تقديرُه هو، يَعُودُ على فعلٌ مضارِعٌ، والجملةُ خبرُ المبتدأِ، (لَمْ) مفعولٌ به لـ (يَلِي) ، وقد قَصَدَ لَفْظَه، (كَيَشَمْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ يَقَعُ خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلك كَيَشَمْ، وتقديرُ البيتِ كلِّه: الحرفُ سِوَى الاسمِ والفعلِ، وذلك كهَلْ وفي ولَمْ، والفعلُ المضارِعُ يلي لَمْ، وذلك كائنٌ كيَشَمْ، ويَشَمْ فعلٌ مضارعٌ ماضيه قولُكَ: شَمِمْتُ الطِّيبَ ونحوَه ـ من بابِ فَرِحَ ـ إذا نَشِقْتَه، وفيه لغةٌ أُخْرَى من بابِ نَصَرَ يَنْصُرُ حكاها الفَرَّاءُ.
(3) (وماضِيَ) الواوُ للاستئنافِ، ماضي: مفعولٌ به مقدَّمٌ لقولِه مِزْ الآتي، وماضِيَ مضافٌ و (الأفعالِ) مضافٌ إليه، (بِالتَّا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمِزْ، (مِزْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (وَسِمْ) الواوُ عاطفةٌ أو للاستئنافِ، سِمْ: فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُه أنتَ، (بِالنُّونِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بسِمْ، (فِعْلَ) مفعولٌ به لسِمْ، وفِعْلَ مضافٌ و (الأَمْرِ) مضافٌ إليه، (إِنْ) حرفُ شرطٍ، (أَمْرٌ) نائبُ فاعلٍ لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه المذكورُ بعدَه، وتقديرُه: إنْ فُهِمَ أمرٌ، (فُهِمْ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يَعُودُ على (أمرٌ) ، والجملةُ من الفعلِ ونائبِ فاعلِه لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ تَفْسِيرِيَّةٌ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه المذكورُ، وتقديرُه: (عن فَهْمِ أمرٍ فسِمْ بالنونِ ـ إلخ) وتقديرُ البيتِ: مَيِّزِ الماضِيَ مِن الأفعالِ بقَبولِ التاءِ التي ذَكَرْنا أنها مِن علاماتِ كونِ الكَلِمَةِ فِعلًا، وعَلِّمْ فعلَ الأمرِ بقَبُولِ النونِ إن فُهِمَ مِنه الطلبُ.
ومِزْ: أمرٌ مِن مازَ الشيءَ يَمِيزُهُ مَيْزًا - مثلُ باعَ يَبِيعُ بَيْعًا - إذا مَيَّزَهُ، وسِمْ: أمرٌ مِن وَسَمَ الشيءَ يَسِمُه وَسْمًا- مثلُ وَصَفَه يَصِفُه وَصْفًا - إذا جَعَلَ له علامةً يَعْرِفُه بها، والأمرُ في قَوْلِهِ: (إِنْ أَمْرٌ فُهِمْ) هو الأمرُ اللُّغَوِيُّ، ومعناه الطلبُ الجازِمُ على وجهِ الاستعلاءِ.