وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ أنَّ التنوينَ كلَّه مِن خَوَاصِّ الاسمِ، وليسَ كذلكَ، بل الذي يَخْتَصُّ به الاسمُ إنما هو تنوينُ التمكينِ والتنكيرِ والمقابَلَةِ والعِوَضِ، وأمَّا تنوينُ الترنُّمِ والغالي فيكونانِ في الاسمِ والفعلِ والحرفِ [1] .
ومن خواصِّ الاسمِ: النداءُ؛ نحوُ: (يا زَيْدُ) ، والألِفُ واللامُ؛ نحوُ: (الرَّجُلُ) ، والإسنادُ إليه؛ نحوُ: (زَيْدٌ قائِمٌ) . فمعنى البيتِ: حَصَلَ للاسمِ تمييزٌ عن الفعلِ والحرفِ بالجرِّ، والتنوينِ، والنداءِ، والألفِ واللامِ، والإسنادِ إليه؛ أي: الإخبارِ عنه.
واسْتَعْمَلَ المصنِّفُ (أل) مكانَ الألفِ واللامِ، وقد وَقَعَ ذلك في عبارةِ بعضِ المتقدِّمينَ، وهو الخليلُ، واسْتَعْمَلَ المصنِّفُ (مُسْنَدٍ) مكانَ (الإسنادِ له) .
بِتَا فَعَلْتُ وَأَتَتْ وَيَا افْعَلِي ... وَنُونِ أَقْبِلَنَّ فِعْلٌ يَنْجَلِي [2]
ثُمَّ ذكَرَ المصنِّفُ أنَّ الفعلَ يَمتازُ عن الاسمِ والحرفِ بتاءِ (فَعَلْتُ) والمرادُ بها تاءُ الفاعلِ، وهي المضمومةُ للمتكلِّمِ، نحوُ: (فَعَلْتُ) ، والمفتوحةُ للمخاطَبِ؛ نحوُ: (تَبَارَكْتَ) والمكسورةُ للمخاطَبَةِ؛ نحوُ: (فَعَلْتِ) .
ويَمْتَازُ أيضًا بتاءِ (أَتَتْ) والمرادُ بها تاءُ التأنيثِ الساكنةِ، نحوُ: (نِعْمَتْ) و (بِئْسَتْ) فاحْتَرَزْنا بالساكنةِ عن اللاحقةِ للأسماءِ؛ فإنَّها تكونُ متحرِّكةً بحركةِ الإعرابِ، نحوُ: (هذه مُسْلِمةٌ، ورأيتُ مُسْلِمةً، ومررتُ بمسلمةٍ) ومن اللاحقةِ للحرفِ،
نحوُ: (لاتَ ورُبَّتَ وثُمَّتَ) [3] وأمَّا تسكينُها معَ (رُبَّ) و (ثُمَّ) فقليلٌ، نحوُ: (رُبَّتْ وثُمَّتْ) .
(1) هذا الاعتراضُ لا يُرَدُّ على الناظمِ؛ لأنَّ تسميةَ نونِ التَّرَنُّمِ والنونِ التي تَلْحَقُ القوافِيَ المُطْلَقَةَ تَنْوِينًا، إنما هي تسميةٌ مجازيَّةٌ، ولَيْسَتْ مِن الحقيقةِ التي وُضِعَ لها لفظُ التنوينِ، فأنتَ لو أَطْلَقْتَ لفظَ التنوينِ على المعنَى الحقيقيِّ الذي وُضِعَ له لم يَشْمَلْهُما، والأصلُ أنْ يُحْمَلَ اللفظُ على معناه الحقيقيِّ؛ ولذلك نَرَى أنه لا غُبارَ على كلامِ الناظمِ.
(2) (بِتَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ (يَنْجَلِي) الواقعِ هو وفاعلُه الضميرُ المُسْتَتِرُ فيه في محلِّ رفعٍ خبرًا عن المبتدأِ، فإنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ تقديمُ معمولِ الخبرِ الفعليِّ على المبتدأِ وهو لا يَجُوزُ؛ قُلْتُ: إنَّ ضرورةَ الشِّعْرِ هي التي أَلْجَأَتْهُ إلى ذلك، وإنَّ المعمولَ لكونِه جارًّا ومجرورًا يُحْتَمَلُ فيه ذلك التقدُّمُ الذي لا يَسُوغُ في غيرِه، وتا مضافٌ و (فَعَلْتُ) قَصَدَ لَفْظَهُ: مضافٌ إليه، (وأَتَتْ) الواوُ حرفُ عطفٍ، أَتَتْ: قَصَدَ لَفْظَهُ أيضًًا: معطوفٌ على فَعَلْتَ، (وَيَا) معطوفٌ على تاءٍ، ويا مضافٌ، و (افعلي) مضافٌ إليه، وهو مقصودُ لفظِه أيضًًا، (وَنُونِ) الواوُ حرفُ عطفٍ، نونِ: معطوفٌ على تاءٍ، وهو مضافٌ، و (أَقْبِلَنَّ) قصدُ لفظِه: مضافٌ إليه، (فِعْلٌ) مبتدأٌ، (يَنْجَلِي) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يَعُودُ إلى (فِعْلٌ) ، والجملةُ في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.
(3) أمَّا دخولُ التاءِ على (لا) فأَشْهَرُ مِن أنْ يُسْتَدَلَّ عليه، بلْ قد اسْتُعْمِلَتْ (لاتَ) حرفَ نَفْيٍ بكثرةٍ، ووَرَدَ استعمالُه في فَصيحِ الكلامِ، ومِن ذلك قولُه تعالى: {وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} ، وأمَّا دُخُولُها على رُبَّ ففي نحوِ قولِ الشاعرِ:
ورُبَّتَ سائلٍ عَنِّي حَفِيٍّ ... أَعَارَتْ عَيْنُهُ أَمْ لَمْ تَعَارَا
ونحوِ قولِ الآخَرِ:
مَاوِيَّ يَا رُبَّتَمَا غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كَاللَّذْعَةِ بِالْمِيسَمِ
وأمَّا دُخُولُها على ثُمَّ ففي نحوِ قولِ الشاعرِ:
ولَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لاَ يَعْنِينِي