الصفحة 16 من 811

الكلامُ المُصْطَلَحُ عليه عندَ النُّحاةِ عِبارةٌ عن (اللفظِ المُفيدِ فائدةً يَحْسُنُ السكوتُ عليها"، فاللفظُ جنسٌ يَشْمَلُ الكلامَ والكَلِمَةَ والكَلِمَ، ويَشْمَلُ المُهْمَلَ كـ (دَيْزٍ"والمُسْتَعْمَلَ كـ (عَمْرٍو"."

ومُفِيدٌ أَخْرَجَ المُهْمَلَ، و (فائدةً يَحْسُنُ السكوتُ عليها"أَخْرَجَ الكَلِمَةَ وبعضَ الكَلِمِ - وهو ما تَرَكَّبَ مِن ثلاثِ كَلِمَاتٍ فأَكْثَرَ، ولم يَحْسُنِ السكوتُ عليه - نحوُ: (إنْ قامَ زيدٌ".

ولا يَتَرَكَّبُ الكلامُ إلاَّ مِن اسميْنِ؛ نحوُ: (زَيدٌ قائمٌ"أو مِن فعلٍ واسمٍ كـ (قامَ زيدٌ"، وكقولِ المصنِّفِ:(اسْتَقِمْ) فإنَّه كلامٌ مركَّبٌ من فعلِ أمرٍ وفاعلٍ مُسْتَتِرٍ، والتقديرُ: اسْتَقِمْ أنتَ، فاسْتَغْنَى بالمثالِ عن أنْ يقولَ:) فائدةً يَحْسُنُ السكوتُ عليها) فكأنه قالَ: (الكلامُ هو اللفظُ المفيدُ فائدةً كفائدةِ اسْتَقِمْ) وإنما قالَ المصنِّفُ: (كلامُنا) لِيُعْلَمَ أنَّ التعريفَ إنما هو للكلامِ في اصطلاحِ النَّحْوِيِّينَ، لا في اصطلاحِ اللُّغَوِيِّينَ، وهو في اللغةِ اسمٌ لكلِّ ما يُتَكَلَّمُ به مفيدًا كانَ أو غيرَ مفيدٍ.

والكَلِمُ اسمُ جِنْسٍ [1] ، واحدُه كَلِمَةٌ، وهي إما اسمٌ وإما فِعْلٌ وإما حرفٌ؛ لأنَّها إنْ دَلَّتْ على معنًى في نفسِها غيرَ مقترِنةٍ بزمانٍ فهي الاسمُ، وإنِ اقْتَرَنَتْ بزمانٍ فهي الفعلُ، وإنْ لم تَدُلَّ على معنًى في نفسِها، بل في غيرِها، فهي الحرفُ.

(1) اسمُ الجنسِ على نوعيْنِ: أحدُهما يُقالُ له: اسمُ جنسٍ جَمْعِيٌّ، والثاني يُقالُ له: اسمُ جنسٍ إفراديٌّ، فأمَّا اسمُ الجنسِ الجمعيُّ فهو (ما يَدُلُّ على أكثرَ مِن اثنيْنِ، ويُفَرَّقُ بينَه وبينَ واحدِه بالتاءِ) ، والتاءُ غالبًا تكونُ في المفرَدِ؛ كبقرةٍ وبَقَرٍ، وشجرةٍ وشَجَرٍ، ومنه كَلِمٌ وكَلِمَةٌ، ورُبَّمَا كانَتْ زيادةُ التاءِ في الدالِّ على الجمعِ مِثلِ كَمْءٍ للواحدِ وكَمْأَةٍ للكثيرِ، وهو نادرٌ، وقد يكونُ الفرقُ بينَ الواحدِ والكثيرِ بالياءِ، كزِنْجٍ وزِنْجِيٍّ، ورُومٍ ورُومِيٍّ، فأمَّا اسمُ الجنسِ الإفراديُّ فهو (ما يَصْدُقُ على الكثيرِ والقليلِ واللفظُ واحدٌ) كماءٍ وذَهَبٍ وخَلٍّ وزَيْتٍ.

فإنْ قُلْتَ: فإني أَجِدُ كثيرًا مِن جُمُوعِ التكسيرِ يُفَرَّقُ بينَها وبينَ مُفْرَدِها بالتاءِ كما يُفَرَّقُ بينَ اسمِ الجنسِ الجمعيِّ وواحدِه، نحوَ: قُرًى وواحِدُه قَرْيَةٌ، ومُدًى وواحِدُه مُدْيَةٌ، فبماذا أُفَرِّقُ بينَ اسمِ الجنسِ الجمعيِّ وما كانَ على هذا الوجهِ مِن الجُمُوعِ؟

فالجوابُ على ذلكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ بينَ النوعيْنِ اختلافًا من وجهيْنِ:

الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ الجمعَ لا بُدَّ أنْ يكونَ على زِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن زِنَاتِ الجموعِ المحفوظةِ المعروفةِ، فأمَّا اسمُ الجِنْسِ الجَمْعِيُّ فلا يَلْزَمُ فيه ذلكَ، أفلا تَرَى أنَّ بَقَرًا وشَجَرًا وثَمَرًا لا يُوَافِقُ زِنَةً مِن زِناتِ الجمعِ؟!

والوجهُ الثاني: أنَّ الاستعمالَ العربيَّ جَرَى على أنَّ الضميرَ وما أَشْبَهَهُ يَرْجِعُ إلى اسمِ الجنسِ الجمعيِّ مُذَكَّرًا؛ كقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ، وقولِه جَلَّ شَأْنُه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ، فأمَّا الجمعُ فإنَّ الاستعمالَ العربيَّ جرَى على أنْ يَعُودَ الضميرُ إليه مؤنَّثًا، كما تَجِدُ في قَوْلِهِ تعالى: {لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ} . وقولِه سُبْحَانَهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} . وكقولِ الشاعرِ:

في غُرَفِ الجَنَّةِ العُلْيَا التِي وَجَبَتْ ... لَهُمْ هُناكَ بِسَعْيٍ، كانَ، مَشْكُورِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت