الصفحة 15 من 811

الكلامُ وما يَتَأَلَّفُ مِنه [1]

كَلاَمُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كَاسْتَقِمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ [2]

وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَمْ ... وكِلْمَةٌ بهَا كَلامٌ قدْ يُؤَمْ [3]

(1) (الكلامُ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ على تقديرِ مضافيْنِ، وأصلُ نَظْمِ الكلامِ (هذا بابُ شرحِ الكلامِ وشرحِ ما يَتَأَلَّفُ الكلامُ منه) فحَذَفَ المبتدأَ ـ وهو اسمُ الإشارةِ ـ ثمَّ حَذَفَ الخبرَ ـ وهو البابُ ـ فأُقِيمَ (شَرْحُ) مُقامَه، فارْتَفَعَ ارتفاعَه، ثمَّ حُذِفَ (شرحُ) أيضًًا وأُقِيمَ (الكلامُ) مُقَامَه، فارْتَفَعَ كما كانَ الذي قبلَه.

(وما) الواوُ عاطفةٌ، و (ما) اسمٌ موصولٌ معطوفٌ على الكلامِ بتقديرِ مضافٍ؛ أي: شرحُ ما يَتَأَلَّفُ، و (يَتَأَلَّفُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو، يَعُودُ إلى الكلامِ، و (مِنْهُ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيِتَأَلَّفُ، والجملةُ من الفعلِ الذي هو يَتَأَلَّفُ والفاعلِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ.

(2) (كَلاَمُنَا) كلامُ: مبتدأٌ، وهو مضافٌ، ونا مضافٌ إليه، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ جرٍّ، (لَفْظٌ) خبرُ المبتدأِ، (مُفِيدٌ) نعتٌ للفظٍ، وليسَ خبرًا ثانيًا، (كَاسْتَقِمْ) إنْ كانَ مثالًا فهو جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: وذلك كاسْتَقِمْ، وإنْ كانَ مِن تمامِ تعريفِ الكلامِ فهو جارٌّ ومجرورٌ أيضًًا مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٌ لمُفِيدٍ، (واسمٌ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، (وفِعْلٌ ثمَّ حرفٌ) معطوفانِ عليه؛ الأوَّلُ بالواوِ والثاني بثُمَّ.

(الكَلِمْ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وكأنه قالَ: كلامُ النُّحاةِ هو اللفظُ الموصوفُ بوصفيْنِ: أحدُهما: الإفادةُ، والثاني: التركيبُ المماثِلُ لتركيبِ اسْتَقِمْ، والكَلِمُ ثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: الاسمُ، وثانيها: الفعلُ، وثالثُها: الحرفُ، وإنما عَطَفَ الفعلَ على الاسمِ بالواوِ؛ لقُرْبِ مَنْزِلَتِه مِنه؛ حيثُ يَدُلُّ كلٌّ مِنهما على معنًى في نفسِه، وعطَفَ الحرفَ بثُمَّ لبُعْدِ رُتْبَتِه.

(3) (وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ مُستأنَفةٌ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ، (وَالْقَوْلُ) مبتدأٌ، (عَمْ) يَجُوزُ أنْ يكونَ فعلًا ماضِيًا، وعلى هذا يكونُ فاعلُه ضميرًا مُسْتَتِرًا فيه جوازًا، تقديرُه هو، يَعودُ إلى القولِ، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ (عَمْ) اسمَ تفضيلٍ ـ وأصلُه أَعَمُّ ـ حُذِفَتْ همزتُه كما حُذِفَتْ مِن خيرٍ وشرٍّ؛ لكثرةِ استعمالِهِمَا، وأصلُهما أَخْيَرُ وأَشَرُّ، بدليلِ مَجِيئِهِما على الأصلِ أحيانًا، كما في قوْلِ الراجزِ:

* بِلاَلُ خَيْرُ الناسِ وابنُ الأَخْيَرِ *

وقد قُرِئَ: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشَرُّ) بفتحِ الشينِ وتشديدِ الراءِ، وعلى هذا يكونُ أصلُ (عَمْ) (أَعَمُّ) كما قُلنا، وهو على هذا الوجهِ خبرٌ للمبتدأِ، (وَكِلْمَةٌ) مبتدأٌ أوَّلٌ، (بِها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيُؤَم الآتِي، (كَلامٌ) مبتدأٌ ثانٍ، (قدْ) حرفُ تقليلٍ.

(يُؤَمْ) فعلٌ مضارِعٌ مبنيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا، تقديرُه هو، يَعُودُ على (كلامٌ) ، والجملةُ من الفعلِ ونائبِ الفاعلِ في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الثانِي، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرِه في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الأوَّلِ، ومعنى (يُؤَمْ) يُقْصَدُ، وتقديرُ البيتِ: ولفظُ كِلْمَةٍ معنى الكلامِ قد يُقْصَدُ بها، يعني: أنَّ لفظَ الكلِمَةِ قد يُطْلَقُ ويُقْصَدُ بها المعنى الذي يَدُلُّ عليه لفظُ الكلامِ.

ومثالُ ذلكَ ما ذَكَرَ الشارِحُ من أنهم قالُوا: (كَلِمَةُ الإخلاصِ) وقالوا: (كَلِمَةُ التوحيدِ) وأرادُوا بهذيْن قَوْلَنَا: (لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ) وكذلك قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( أَفْضَلُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ ) ). وهو يُرِيدُ قصيدةَ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ العَامِرِيِّ التي أَوَّلُها:

أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ ... وكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت