الصفحة 46 من 391

وخرَّجَ أيضًا منْ حديثِ عائشةَ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ تَحَوَّلَ فَعَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ تَحَوَّلَ فَعَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمَاتَ فَدَخَلَهَا ) ).

وخرَّجَ أحمدُ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو قالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي يدِهِ كِتَابانِ، فقالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟ ) )فَقُلْنا: لَا يا رَسولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: (( هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا ) )، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: (( هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا ) )، فقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرًا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: (( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ ) )، ثمَّ قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: (( فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) ).

وقدْ رُوِيَ هذا الحديثُ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ منْ حديثِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزادَ فيهِ: (( صَاحِبُ الْجَنَّةِ مَخْتُومٌ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَصَاحِبُ النَّارِ مَخْتُومٌ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَقَدْ يُسْلَكُ بِأَهْلِ السَّعَادَةِ طَرِيقَ أَهْلِ الشَّقَاءِ حَتَّى يُقَالَ: مَا أَشْبَهَهُمْ بِهِمْ، بَلْ هُمْ مِنْهُمْ، وَتُدْرِكُهُمُ السَّعَادَةُ فَتَسْتَنْقِذُهُمْ، وَقَدْ يُسْلَكُ بِأَهْلِ الشَّقَاءِ طَرِيقَ أَهْلِ السَّعَادَةِ حَتَّى يُقَالَ: مَا أَشْبَهَهُمْ بِهِمْ، بَلْ هُمْ مِنْهُمْ، وَيُدْرِكُهُمُ الشَّقَاءُ. مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ سَعِيدًا فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَعْمِلَهُ بِعَمَلٍ يُسْعِدُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَوْ بِفَوَاقِ نَاقَةٍ ) )، ثُمَّ قَالَ: (( الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا، الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا ) ).

وخرَّجَهُ البَزَّارُ فِي (مُسْنَدِهِ) بهذا المَعْنَى أيضًا مِنْ حديثِ ابنِ عُمَرَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفي (الصَّحيحَيْنِ) : عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ والمُشْرِكُونَ وفي أَصْحابِهِ رَجُلٌ لا يَدَعُ شَاذَّةً ولا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلانٌ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ) )، فقالَ رَجُلٌ مِن القَوْمِ: أَنَا صاحِبُهُ. فاتَّبَعَهُ، فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَديدًا، فَاسْتَعْجَلَ الموْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ عَلَى الأَرْضِ وَذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسولُ اللَّهِ. وَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ). زَادَ البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ) ).

وقولُهُ: (فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) ، إشارةٌ إلى أنَّ باطِنَ الأمْرِ يكونُ بخلافِ ذلكَ، وأنَّ خاتِمَةَ السُّوءِ تكونُ بسببِ دَسِيسَةٍ باطِنَةٍ للعبدِ لا يَطَّلِعُ عليهَا النَّاسُ، إمَّا مِنْ جِهَةِ عَمَلٍ سَيِّئٍ ونحوِ ذلكَ، فَتِلْكَ الخَصْلَةُ الخَفِيَّةُ تُوجِبُ سُوءَ الخَاتِمَةِ عندَ الموتِ. وكذلكَ قدْ يَعْمَلُ الرَّجُلُ عَمَلَ أهلِ النَّارِ وفي باطِنِهِ خَصْلةٌ خَفِيَّةٌ مِنْ خِصَالِ الخيرِ، فتَغْلِبُ عليهِ تلكَ الخَصْلَةُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فتُوجِبُ لَهُ حُسْنَ الخاتِمَةِ.

قالَ عبدُ العزيزِ بنُ أَبِي رَوَّادٍ: حَضَرْتُ رجلًا عندَ الموتِ يُلَقَّنُ لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، فقالَ فِي آخِرِ ما قالَ: هُوَ كافِرٌ بما تَقُولُ، وماتَ على ذلكَ. قالَ: فَسَأَلْتُ عنهُ، فإذا هوَ مُدْمِنُ خَمْرٍ. فكانَ عبدُ العزيزِ يقولُ: اتَّقُوا الذُّنوبَ؛ فإنَّهَا هيَ التي أوْقَعَتْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت