الصفحة 47 من 391

وفي الجُمْلَةِ: فالخَوَاتِيمُ مِيراثُ السَّوابِقِ، وكُلُّ ذلكَ سَبَقَ فِي الكِتابِ السَّابِقِ، ومِنْ هنا كانَ يَشْتَدُّ خوفُ السَّلَفِ مِنْ سُوءِ الخَوَاتِيمِ، ومِنهم مَنْ كانَ يَقْلَقُ مِنْ ذِكْرِ السَّوابِقِ.

وقدْ قِيلَ: إنَّ قُلُوبَ الأبرارِ مُعَلَّقَةٌ بالخواتِيمِ، يقولونَ: بماذا يُخْتَمُ لنا؟ وقُلُوبَ المُقَرَّبِينَ مُعَلَّقَةٌ بالسَّوابِقِ، يقولونَ: ماذا سَبَقَ لنَا؟

وبَكَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ عندَ مَوْتِهِ، فسُئِلَ عنْ ذلكَ، فقالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبَضَ خَلْقَهُ قَبْضَتَيْنِ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ ) )، ولا أدْرِي فِي أيِّ القَبْضَتَيْنِ كُنْتُ؟

وقالَ بعضُ السلَفِ: ما أَبْكَى العُيُونَ ما أَبْكَاهَا الكِتابُ السَّابِقُ.

وقال سُفْيَانُ لبعضِ الصَّالِحِينَ: هلْ أَبْكَاكَ قَطُّ عِلْمُ اللَّهِ فيكَ؟ فقالَ لهُ ذلكَ الرَّجُلُ: تَرَكْتَنِي لا أَفْرَحُ أبَدًا. وكانَ سفيانُ يَشْتَدُّ قَلَقُهُ من السَّوابِقِ والخواتِمِ، فكانَ يَبْكِي ويقولُ: أخافُ أنْ أكونَ فِي أُمِّ الكِتابِ شَقِيًّا، ويَبْكِي ويقولُ: أخافُ أنْ أُسْلَبَ الإِيمانَ عندَ الموتِ.

وكان مالِكُ بنُ دِينارٍ يَقُومُ طُولَ لَيْلِهِ قابِضًا على لِحْيَتِهِ ويقولُ: يا ربِّ، قدْ عَلِمْتَ سَاكِنَ الجنَّةِ مِنْ ساكِنِ النَّارِ، فَفِي أيِّ الدَّارَيْنِ مَنْزِلُ مالِكٍ؟

قال حَاتِمٌ الأَصَمُّ: مَنْ خَلا قَلبُهُ مِنْ ذِكْرِ أربعةِ أخطارٍ فهوَ مُغْتَرٌّ، فلا يَأْمَنُ الشَّقاءَ: الأوَّلُ: خَطَرُ يَوْمِ المِيثاقِ حينَ قالَ: هَؤُلاءِ فِي الجنَّةِ ولا أُبَالِي، وهؤلاءِ فِي النَّارِ ولا أُبَالِي، فلا يَعْلَمُ فِي أيِّ الفريقينِ كانَ.

والثَّاني: حينَ خُلِقَ فِي ظُلُمَاتٍ ثلاثٍ، فنُودِيَ المَلَكُ بالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يَدْرِي أَمِن الأشقياءِ هوَ أمْ مِن السُّعَدَاءِ.

والثَّالثُ: ذِكْرُ هَوْلِ المَطْلِعِ، ولا يَدْرِي أَيُبَشَّرُ بِرِضَا اللَّهِ أوْ بسَخَطِهِ.

والرَّابعُ: يومُ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا، ولا يَدْرِي أيَّ الطريقيْنِ يُسْلَكُ بِهِ.

وقالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: المُرِيدُ يَخَافُ أنْ يُبْتَلَى بالمعاصِي، والعارِفُ يخافُ أنْ يُبْتَلَى بالكُفْرِ.

ومِنْ هنا كانَ الصَّحَابَةُ ومَنْ بعدَهم مِن السَّلَفِ الصَّالِحِ يخافُونَ على أنفُسِهِم النِّفَاقَ، ويَشْتَدُّ قَلَقُهم وجَزَعُهم مِنهُ، فالمؤمنُ يَخَافُ على نفسِهِ النِّفاقَ الأصْغَرَ، ويَخَافُ أنْ يَغْلِبَ ذلكَ عليهِ عندَ الخاتِمَةِ فيُخْرِجُهُ إلى النِّفاقِ الأكبرِ، كما تَقَدَّمَ أنَّ دَسَائِسَ السُّوءِ الخَفِيَّةَ تُوجِبُ سُوءَ الخاتِمَةِ، وقدْ كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أنْ يقولَ فِي دُعائِهِ: (( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) )، فقيلَ لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فهلْ تَخَافُ علَيْنا؟ فقالَ: (( نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ) ). خَرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ والتِّرْمِذِيُّ مِنْ حديثِ أَنَسٍ.

وخَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يُكْثِرُ فِي دعائِهِ أنْ يقولَ: (( اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) )، فقُلْتُ: يَا رسولَ اللَّهِ، أَوَإِنَّ القُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ؟ قالَ: (( نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً؛ إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ ) ). قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَلَا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أَدْعُو بِهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ: (( بَلَى، قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا أَحْيَيْتَنِي ) ). وفي هذا المعنَى أحاديثُ كثيرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت