وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا خُلُقُهُ؟ مَا خَلَائِقُهُ؟ فَيَقُولُ: كَذَا وَكَذَا. فَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُخْلَقُ مَعَهُ فِي الرَّحِمِ )) . خَرَّجَهُ أبو داودَ فِي كتابِ (الْقَدَرِ) ، والبَزَّارُ فِي (مُسْنَدِهِ) .
وبكُلِّ حَالٍ، فهذهِ الكِتَابَةُ التي تُكْتَبُ للجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ غيرُ كِتَابَةِ المَقَادِيرِ السَّابِقَةِ لخَلْقِ الخلائِقِ المَذْكُورَةِ فِي قولِهِ تعالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] ، كمَا فِي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) ). وفي حديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ).
وقدْ سَبَقَ ذِكْرُ ما رُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، أنَّ المَلَكَ إذا سَأَلَ عنْ حالِ النُّطْفَةِ، أُمِرَ أنْ يَذْهَبَ إلى الكِتَابِ السَّابِقِ، ويُقالُ لَهُ: إنَّكَ تَجِدُ فيهِ قِصَّةَ هذهِ النُّطْفَةِ. وقدْ تَكَاثَرَت النُّصوصُ بذِكْرِ الكتابِ السَّابِقِ بالسَّعَادَةِ والشَّقَاوَةِ، فَفِي (الصَّحيحَيْنِ) : عنْ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أَوْ سَعِيدَةٌ ) )، فقالَ رَجُلٌ: يَا رَسولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَقَالَ: (( اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ) )، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الآيتَيْنِ [اللَّيْل: 5] .
ففي هذا الحديثِ أنَّ السَّعادَةَ والشَّقَاوَةَ قدْ سَبَقَ الكتابُ بِهِمَا، وأنَّ ذلكَ مُقَدَّرٌ بحَسَبِ الأعمالِ، وأَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ مِن الأعمالِ التي هيَ سَبَبٌ للسَّعادَةِ أو الشَّقاوَةِ.
وفي (الصَّحيحَيْنِ) : عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسولَ اللَّهِ، أَيُعْرَفُ أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قالَ: (( نَعَمْ ) )، قالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: (( كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ لِمَا يُيَسَّرُ لَهُ ) ).
وقدْ رُوِيَ هذا المعنَى عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ كثيرةٍ، وحديثُ ابنِ مسعودٍ فيهِ أنَّ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ بحَسَبِ خَوَاتِيمِ الأعمالِ.
وقدْ قيلَ: إنَّ قولَهُ فِي آخِرِ الحديثِ: (( فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ ) )إلى آخِرِ الحديثِ، مُدْرَجٌ مِنْ كلامِ ابنِ مسعودٍ. كذلكَ رَوَاهُ سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ، عنْ زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن ابنِ مسعودٍ مِنْ قولِهِ. وقدْ رُوِيَ هذا المعنَى عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أيضًا.
وفي (صحيحِ البُخَارِيِّ) : عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ) ).
وفي (صَحيحِ ابنِ حِبَّانَ) : عنْ عائِشَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ) ).
وفيهِ أيضًا: عنْ مُعَاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا، كَالْوِعَاءِ، فَإِذَا طَابَ أَعْلَاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ ) ).
وفي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ).
وخرَّجَ الإِمامُ أحمدُ مِنْ حديثِ أَنَسٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ؛ فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمُرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا ) ).