وقدْ رُوِيَ عنْ جماعةٍ مِن الصَّحابةِ أنَّ الكتابةَ تكونُ فِي الأربعينَ الثَّانيَةِ؛ فخَرَّجَ اللَّالَكَائِيُّ بإسنادِهِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ قالَ: إذا مَكَثَت النُّطْفَةُ فِي رَحِمِ المرأةِ أربعينَ ليلةً، جاءَهَا مَلَكٌ فاخْتَلَجَهَا، ثمَّ عَرَجَ بهَا إلى الرَّحمنِ عزَّ وجلَّ، فيَقُولُ: اخْلُقْ يَا أَحْسَنَ الخالِقِينَ. فيَقْضِي اللَّهُ فيهَا ما يَشَاءُ مِنْ أمْرِهِ، ثمَّ تُدْفَعُ إلى المَلَكِ عندَ ذلِكَ، فيَقُولُ: يا رَبِّ أَسَقْطٌ أمْ تَامٌّ؟ فيُبَيِّنُ لهُ. ثمَّ يقولُ: يا ربِّ أَنَاقِصُ الأجلِ أمْ تامُّ الأجلِ؟ فيُبَيِّنُ لهُ. ويقولُ: يا ربِّ أواحِدٌ أمْ تَوْأَمٌ؟ فيُبَيِّنُ لهُ. فيقولُ: يا ربِّ أَذَكَرٌ أمْ أُنْثَى؟ فيُبَيِّنُ لهُ. ثمَّ يقولُ: يا ربِّ، أشَقِيٌّ أمْ سعيدٌ؟ فيُبَيِّنُ لَهُ. ثمَّ يقولُ: يا ربِّ اقْطَعْ لهُ رِزْقَهُ، فيَقْطَعُ لهُ رِزْقَهُ معَ أَجَلِهِ، فيَهْبِطُ بِهِمَا جميعًا. فَوَالَّذِي نفسِي بيدِهِ، لا يَنَالُ مِن الدُّنْيَا إِلا ما قُسِمَ لَهُ.
وخَرَّجَ ابنُ أبي حاتِمٍ بإسنادِهِ عنْ أبي ذَرٍّ قالَ: إنَّ الْمَنِيَّ يَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ أربعينَ ليلَةً، فَيَأْتِيهِ مَلَكُ النُّفُوسِ، فيَعْرُجُ بِهِ إلى الجَبَّارِ عزَّ وجلَّ فيَقُولُ: يا رَبِّ أذَكَرٌ أمْ أُنْثَى؟ فيَقْضِي اللَّهُ عزَّ وجلَّ ما هوَ قاضٍ، ثمَّ يقولُ: يا ربِّ، أشَقِيٌّ أمْ سعيدٌ؟ فيَكْتُبُ ما هوَ لَاقٍ بينَ يَدَيْهِ. ثُم تَلَا أَبُو ذَرٍّ مِنْ فاتِحَةِ سُورَةِ التَّغَابُنِ إلى قولِهِ: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصَيرُ} [التغابُن: 3] .
وهذا كُلُّهُ يُوافِقُ ما فِي حديثِ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ. وقدْ تَقَدَّمَ عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ كِتَابَةَ المَلَكِ تكونُ بعدَ نَفْخِ الرُّوحِ بأربعينَ ليلةً، وأنَّ إسنادَهُ فيهِ نَظَرٌ. وقدْ جَمَعَ بعْضُهم بينَ هذهِ الأحاديثِ والآثارِ، وبينَ حديثِ ابنِ مسعودٍ، فأثْبَتَ الكِتَابَةَ مرَّتيْنِ، وقدْ يُقالُ معَ ذلكَ: إنَّ إحدَاهُمَا فِي السَّماءِ، والأُخرَى فِي بَطْنِ الأُمِّ. والأظهَرُ -واللَّهُ أعلمُ- أنَّهَا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، ولَعَلَّ ذلكَ يَخْتَلِفُ باختلافِ الأجِنَّةِ؛ فبعضُهم يُكْتَبُ لهُ ذلكَ بعدَ الأربعينَ الأولى، وبعضُهم بعدَ الأربعينَ الثَّالِثَةِ.
وقدْ يُقَالُ: إِنَّ لَفْظَةَ (ثُمَّ) فِي حديثِ ابنِ مسعودٍ إنَّما أُرِيدَ بِهِ تَرْتِيبُ الإِخْبَارِ، لا تَرْتِيبُ المُخْبَرِ عنهُ فِي نفسِهِ، واللَّهُ أعلمُ.
ومِن المُتَأَخِّرِينَ مَنْ رَجَّحَ أنَّ الكِتابةَ تكونُ فِي أوَّلِ الأربعينَ الثَّانيَةِ، كما دَلَّ عليهِ حديثُ حُذَيْفَةَ بن أَسِيدٍ، وقالَ: إنَّما أَخَّرَ ذِكْرَهَا فِي حديثِ ابنِ مسعودٍ إلى ما بَعْدَ ذِكْرِ المُضْغَةِ وإنْ ذُكِرَتْ بلَفْظِ (ثُمَّ) ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ ذِكْرُ الأطوارِ الثَّلاثةِ التي يَتَقَلَّبُ فيهَا الجَنِينُ، وهيَ كونُهُ نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً، فإنَّ ذِكْرَ هذهِ الثَّلاثَةِ على نَسَقٍ واحِدٍ أعْجَبُ وأحْسَنُ؛ فَلِذَلِكَ أَخَّرَ المعطوفَ عليهَا، وإنْ كانَ المعطوفُ مُتَقَدِّمًا على بعضِهَا فِي التَّرتيبِ، واسْتَشْهَدَ لذلكَ بقولِهِ تعالَى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السَّجْدَة: 7 - 9] ، والمُرادُ بالإِنسانِ آدَمُ عليهِ السلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَسْوِيَتَهُ ونَفْخَ الرُّوحِ فيهِ كانَ قَبْلَ جَعْلِ نَسْلِهِ منْ سُلَالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، لَكِنْ لَمَّا كانَ المقصودُ ذِكْرَ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَبْدَأِ خَلْقِ آدَمَ وخَلْقِ نَسْلِهِ عَطَفَ ذِكْرَ أحَدِهِمَا على الآخَرِ، وأَخَّرَ ذِكْرَ تَسْوِيَةِ آدَمَ ونَفْخِ الرُّوحِ فيهِ، وإنْ كانَ ذلكَ مُتَوَسِّطًا بينَ خَلْقِ آدَمَ مِنْ طينٍ وبينَ خَلْقِ نَسْلِهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وقدْ وَرَدَ أنَّ هذهِ الكِتَابَةَ تُكْتَبُ بينَ عَيْنَي الجَنِينِ، ففي (مُسْنَدِ البَزَّارِ) : عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُما، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا خَلَقَ اللَّهُ النَّسَمَةَ قَالَ مَلَكُ الْأَرْحَامِ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ قَالَ: فَيَقْضِي اللَّهُ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، ثُمَّ يَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَا هُوَ لَاقٍ حَتَّى النَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا ) ). وقدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا على ابنِ عُمَرَ غيرَ مرفوعٍ. وحديثُ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ المُتَقَدِّمُ صَرِيحٌ فِي أنَّ المَلَكَ يَكْتُبُ ذلكَ فِي صَحِيفَةٍ، ولعَلَّهُ يَكْتُبُ فِي صحيفَةٍ، ويَكْتُبُ بينَ عَيْنَي الوَلَدِ.
وقدْ رُوِيَ أنَّهُ يَقْتَرِنُ بهذهِ الكِتَابَةِ أنَّهُ يُخْلَقُ معَ الجنينِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنْ صفاتِهِ القائِمَةِ بهِ، فرُوِيَ عنْ عائِشَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ بَعَثَ مَلَكًا، فَدَخَلَ الرَّحِمَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، مَاذَا؟ فَيَقُولُ: غُلَامٌ أَوْ جَارِيَةٌ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ فِي الرَّحِمِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقُولُ مَا شَاءَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ: كَذَا