فِي الظُّلُمَاتِ، فذَلِكَ قولُهُ تعالَى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنونَ: 14] ، خَرَّجَهُ ابنُ أبِي حاتِمٍ، وهوَ إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ. وخَرَّجَ اللَّالَكَائِيُّ بإسنادِهِ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: إذا وَقَعَت النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ مَكَثَتْ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، ثمَّ نُفِخَ فيهَا الرُّوحُ، ثُمَّ مَكثَتْ أربعينَ ليلةً، ثمَّ بُعِثَ إليهَا مَلَكٌ فنَقَفَهَا فِي نُقْرَةِ الْقَفَا، وكَتَبَ شَقِيًّا أوْ سَعِيدًا. وفي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وفيهِ أنَّ نَفْخَ الرُّوحِ يَتَأَخَّرُ عن الأربَعَةِ أَشْهُرٍ بعَشَرَةِ أيَّامٍ.
وبَنَى الإِمامُ أحمدُ مَذهَبَهُ المشهورَ عنهُ على ظاهِرِ حديثِ ابنِ مسعودٍ، وأنَّ الطِّفْلَ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ بعدَ الأربَعَةِ أشهُرٍ، وأنَّهُ إذا سَقَطَ بعدَ تمامِ أربَعَةِ أشْهُرٍ صُلِّيَ عليهِ؛ حيثُ كانَ قدْ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ ثُمَّ ماتَ. وحُكِيَ ذلكَ أيضًا عنْ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وهوَ أحدُ أقوالِ الشَّافِعِيِّ وإِسحَاقَ. ونَقَلَ غيرُ واحِدٍ عنْ أحمدَ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا ففي تلكَ العَشْرِ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ، ويُصَلَّى عليهِ. وقالَ فِي روايَةِ أبي الحارِثِ عنهُ: تكونُ النَّسَمَةُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وعَلَقَةً أربعينَ ليلَةً، ومُضْغَةً أربعينَ ليلةً، ثمَّ تكُونُ عَظْمًا ولَحْمًا، فإذا تَمَّ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ.
فظاهِرُ هذهِ الروايَةِ أنَّهُ لا يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ إلَّا بعدَ تَمَامِ أربَعَةِ أَشْهُرٍ وعَشْرٍ، كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ. والرِّواياتُ التي قَبْلَ هذهِ عنْ أحمدَ إنَّما تَدُلُّ على أنَّهُ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ فِي مُدَّةِ العَشْرِ بعدَ تمامِ الأربعةِ، وهذا هوَ المعروفُ عنهُ. وكذا قالَ ابنُ المُسَيِّبِ لَمَّا سُئِلَ عنْ عِدَّةِ الوَفَاةِ حيثُ جُعِلَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا: ما بَالُ العَشْرِ؟ قالَ: يُنْفَخُ فيهَا الرُّوحُ.
وأمَّا أهْلُ الطِّبِّ، فذَكَرُوا أنَّ الجَنِينَ إنْ تَصَوَّرَ فِي خَمْسَةٍ وثلاثينَ يومًا تَحَرَّكَ فِي سبعينَ يَوْمًا، وَوُلِدَ فِي مِائَتَيْنِ وعَشَرَةِ أيَّامٍ، وذلكَ سَبْعَةُ أشْهُرٍ، ورُبَّما تَقَدَّمَ أيَّامًا، وتَأَخَّرَ فِي التَّصويرِ والوِلادَةِ. وإذا كانَ التَّصويرُ فِي خمسةٍ وأربعينَ يومًا تَحَرَّكَ فِي تسعينَ يومًا، وَوُلِدَ فِي مِائَتَيْنِ وسبعينَ يومًا، وذلكَ تِسعةُ أَشْهُرٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمَّا كتابَةُ المَلَكِ، فحديثُ ابنِ مسعودٍ يَدُلُّ على أنَّهَا تكونُ بعدَ الأربَعَةِ أَشْهُرٍ أيضًا على ما سبَقَ. وفي (الصَّحيحَيْنِ) عنْ أنَسٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَالَ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) ). وظاهِرُ هذا يُوَافِقُ حديثَ ابنِ مسعودٍ، لكنْ ليسَ فيهِ تَقْدِيرُ مُدَّةٍ. وحديثُ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ الذي تَقَدَّمَ يَدُلُّ على أنَّ الكِتَابَةَ تكونُ فِي أوَّلِ الأربعينَ الثَّانيَةِ. وخَرَّجَهُ مُسلِمٌ أيضًا بلفظٍ آخَرَ مِنْ حديثِ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ. ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ ) ). وفي روايَةٍ أُخْرَى لمُسْلِمٍ أيضًا: (( إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ ) )وذَكَرَ الحديثَ. وفي روايَةٍ أُخرَى لمُسْلِمٍ أيضًا: (( لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) ).
وفي (مُسْنَدِ) الإِمامِ أحمدَ مِنْ حديثِ جابِرٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، بُعِثَ إِلَيْهَا مَلَكٌ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُعْلَمُ ) ).
وقدْ سَبَقَ ما رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عنْ عَلْقَمَةَ، عن ابنِ مَسْعُودٍ مِنْ قولِهِ، وظاهِرُهُ يَدُلُّ على أنَّ الْمَلَكَ يُبْعَثُ إليهِ وهوَ نُطْفَةٌ. وقدْ رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ منْ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أنَّهُ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ، فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْأَرْحَامِ، فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عِمْرَانَ: 6] ، وَقَوْلُهُ: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا} [الشُّورَى: 49] الآيَةَ، ويُؤْتَى بِالْأَرْزَاقِ، فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَتُسَبِّحُهُ الْمَلَائِكَةُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ ) )، قَالَ: (( فَهَذَا مِنْ شَأْنِكُمْ وَشْأَنِ رَبِّكُمْ ) ). ولَكِنْ ليسَ فِي هذا تَوْقِيتُ مَا يُنْظَرُ فيهِ مِن الأرْحَامِ بِمُدَّةٍ.