الصفحة 42 من 391

أُصْبُعَيْهِ، فَيَخْلِطُهُ فِي الْمُضْغَةِ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِهَا، ثُمَّ يُصَوِّرُهَا كَمَا يُؤْمَرُ، فَيَقُولُ: أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ وَمَا رِزْقُهُ؟ وَمَا عُمُرُهُ؟ وَمَا أَثَرُهُ؟ وَمَا مَصَائِبُهُ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، فَإِذَا مَاتَ ذَلِكَ الْجَسَدُ دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرَابُ )) . خَرَّجَهُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي (تفسيرِهِ) . ولكنَّ السُّدِّيَّ مُخْتَلَفٌ فِي أمْرِهِ، وكانَ الإِمامُ أحمدُ يُنْكِرُ عليهِ جَمْعَهُ الأسانِيدَ المُتَعَدِّدَةَ للتفسيرِ الواحِدِ، كما كانَ هوَ وغيْرُهُ يُنْكِرُونَ على الواقِدِيِّ جَمْعَهُ الأسانِيدَ المُتَعَدِّدَةَ للحدِيثِ الواحِدِ.

وقدْ أَخَذَ طوائِفُ مِن الفُقَهَاءِ بظاهِرِ هذهِ الرِّوَايَةِ، وتَأَوَّلُوا حديثَ ابنِ مَسْعُودٍ المَرْفُوعَ عليهَا، وقالُوا: أَقَلُّ ما يَتَبَيَّنُ خَلْقُ الوَلَدِ أَحَدٌ وثَمَانونَ يَوْمًا؛ لأنَّهُ لا يَكُونُ مُضْغَةً إِلَّا فِي الأربعينَ الثَّالِثَةِ، ولا يَتَخَلَّقُ قَبلَ أنْ يكونَ مُضْغَةً.

وقالَ أَصْحَابُنا وأصحابُ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً على هذا الأصلِ: إنَّهُ لا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ، ولا تُعْتَقُ أُمُّ الوَلَدِ إلَّا بالمُضْغَةِ المُخَلَّقَةِ، وأَقَلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَخَلَّقَ ويَتَصَوَّرَ فِي أَحَدٍ وثمانينَ يَوْمًا.

وقالَ أَحْمَدُ فِي العَلَقَةِ: هيَ دَمٌ لا يَسْتَبِينُ فيهَا الخَلْقُ، فإنْ كانَت المُضَغْةُ غيرَ مُخَلَّقَةٍ، فهلْ تَنْقَضِي بِهَا العِدَّةُ، وتَصِيرُ أُمُّ الوَلَدِ بِهَا مُسْتَوْلَدَةً؟ على قولَيْنِ، هُما رِوَايتانِ عنْ أحمدَ. وإنْ لمْ يَظْهَرْ فيهَا التَّخْطِيطُ، ولكنْ كانَ خَفِيًّا لا يَعْرِفُهُ إلَّا أَهْلُ الخِبْرَةِ مِن النِّسَاءِ، فشَهِدْنَ بذلكَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ، ولا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ بعدَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أوْ قَبْلَهَا عندَ أكثرِ العُلَمَاءِ. ونَصَّ على ذلكَ الإِمامُ أحمدُ فِي رِوَايَةِ خَلْقٍ مِنْ أصحابِهِ، ونَقَلَ عنهُ ابْنُهُ صالِحٌ فِي الطِّفلِ فِي الأربَعَةِ يَتَبَيَّنُ خَلْقُهُ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا نُكِسَ فِي الخَلْقِ الرَّابِعِ كانَ مُخَلَّقًا، انْقَضَتْ بِهِ العِدَّةُ، وعُتِقَتْ بِهِ الأَمَةُ إذا كانَ لأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وكذا نَقَلَ عنهُ حَنْبَلٌ: إِذا أَسْقَطَتْ أمُّ الوَلَدِ، فإنْ كانَ خِلْقَةً تامَّةً عُتِقَتْ، وانْقَضَتْ بِهِ العِدَّةُ إِذا دَخَلَ فِي الخَلْقِ الرَّابِعِ، فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ. وهذا يُخَالِفُ رِوَايَةَ الجَمَاعَةِ عنهُ، وقدْ قالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عنهُ: إَذَا تَبَيَّنَ خَلْقُهُ، ليسَ فيهِ اخْتِلافٌ أَنَّهَا تُعْتَقُ بذلكَ إِذا كانت أَمَةً. ونَقَلَ عنهُ جَمَاعَةٌ أَيْضًا فِي العَلَقَةِ إِذَا تَبَيَّنَ أنَّهَا وَلَدٌ: أنَّ الأَمَةَ تُعْتَقُ بِهَا. وهوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وحُكِيَ قَوْلًا للشَّافِعِيِّ. ومِنْ أَصْحابِنَا مَنْ طَرَّدَ هذهِ الروايَةَ عنْ أحمدَ فِي انْقِضَاءِ العِدَّةِ بِهِ أيضًا. وهذا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ التَّخْلِيقُ فِي العَلَقَةِ، كما قدْ يُسْتَدَلُّ على ذلكَ بحديثِ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ المُتَقَدِّمِ، إلَّا أنْ يُقالَ: حديثُ حُذَيْفَةَ إنَّما يَدُلُّ على أنَّهُ يَتَخَلَّقُ إذا صارَ لَحْمًا وعَظْمًا، وأنَّ ذلكَ قدْ يَقَعُ فِي الأربعينَ الثَّانِيَةِ، لا فِي حالِ كَوْنِهِ عَلَقَةً. وفي ذلكَ نَظَرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وما ذَكَرَهُ الأَطِبَّاءُ يَدُلُّ على أنَّ العَلَقَةَ تَتَخَلَّقُ وتَتَخَطَّطُ، وكذلِكَ القَوَابِلُ مِن النِّسْوَةِ يَشْهَدْنَ بذلكَ، وحديثُ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ يَشْهَدُ بالتَّصويرِ فِي حالِ كونِ الجنينِ نُطْفَةً أيضًا، واللَّهُ تعالَى أَعْلَمُ.

وبَقِيَ فِي حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ بَعْدَ مَصِيرِهِ مُضْغَةً أنَّهُ يُبْعَثُ إِلَيْهِ المَلَكُ، فيَكْتُبُ الكَلِمَاتِ الأرْبَعَ، ويَنفُخُ فيهِ الرُّوحَ، وذلكَ كلُّهُ بعدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا.

واخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ رِوَايَاتِ هذا الحديثِ فِي تَرْتِيبِ الكِتَابَةِ والنَّفْخِ. ففِي روايَةِ البُخَارِيِّ فِي (صحيحِهِ) : (( وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِماتٍ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ) ). ففي هذهِ الرِّوايَةِ تَصْرِيحٌ بتَأَخُّرِ نَفْخِ الرُّوحِ عن الكتابَةِ. وفي روايَةٍ خَرَّجَهَا البَيْهَقِيُّ فِي كتابِ (القَدَرِ) : (( ثُمَّ يُبْعَثُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ) ). وهذهِ الروايَةُ تُصَرِّحُ بتَقَدُّمِ النفخِ على الكِتَابَةِ، فإِمَّا أنْ يكونَ هذا مِنْ تَصَرُّفِ الرُّواةِ برِوَايَاتِهِم بالمَعْنَى الذي يَفْهَمُونَهُ، وإمَّا أنْ يكونَ المُرادُ تَرْتِيبَ الإِخْبارِ فَقَطْ، لا تَرْتِيبَ مَا أَخْبَرَ بِهِ.

وبكُلِّ حالٍ، فحديثُ ابنِ مسعودٍ يَدُلُّ على تَأَخُّرِ نَفْخِ الرُّوحِ فِي الجَنِينِ وكِتَابَةِ المَلَكِ لأمْرِهِ إلى بَعْدِ أربعةِ أَشْهُرٍ حتَّى تَتِمَّ الأربعونَ الثَّالِثَةُ. فأمَّا نَفْخُ الرُّوحِ، فقدْ رُوِيَ صَرِيحًا عن الصَّحَابَةِ أنَّهُ إِنَّما يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ بعدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كما دَلَّ عليهِ ظاهِرُ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ. فرَوَى زَيْدُ بنُ عَلِيٍّ عنْ أبيهِ، عنْ عَلِيٍّ قالَ: إِذَا تَمَّت النُّطْفَةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بُعِثَ إليهَا مَلَكٌ، فَنَفَخَ فيهَا الرُّوحَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت