الصفحة 41 من 391

وظاهِرُ هذا الحديثِ يَدُلُّ على أنَّ تَصْوِيرَ الجَنِينِ وخَلْقَ سَمْعِهِ وبَصَرِهِ وجِلْدِهِ ولَحْمِهِ وعِظَامِهِ يَكونُ فِي أوَّلِ الأربعينَ الثَّانِيَةِ، فيَلْزَمُ مِنْ ذلكَ أنَّهُ يكونُ فِي الأربعِينَ الثَّانِيَةِ لَحْمًا وعِظَامًا.

وقدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهم ذلكَ على أنَّ المَلَكَ يَقْسِمُ النُّطْفَةَ إذا صارَتْ عَلَقَةً إلى أجزاءٍ، فيَجْعَلُ بَعْضَهَا للجِلْدِ، وبعضَهَا لِلَّحْمِ، وبعضَهَا للعِظَامِ، فيُقَدِّرُ ذلكَ كُلَّهُ قَبْلَ وُجُودِهِ. وهذا خلافُ ظاهِرِ الحديثِ، بلْ ظاهِرُهُ أنَّهُ يُصَوِّرُهَا ويَخْلُقُ هذهِ الأجزاءَ كُلَّهَا، وقدْ يكونُ خَلْقُ ذلكَ بتَصْوِيرِهِ وتَقْسيمِهِ قبلَ وُجُودِ اللَّحْمِ والعِظَامِ، وقدْ يكونُ هذا فِي بَعْضِ الأَجِنَّةِ دُونَ بَعْضٍ.

وحديثُ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ المُتَقَدِّمُ يَدُلُّ على أنَّ التَّصْوِيرَ يكونُ للنُّطْفَةِ أيضًا فِي اليومِ السَّابِعِ، وقدْ قالَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإِنسان: 2] . وفَسَّرَ طائِفَةٌ مِن السَّلَفِ أَمْشَاجَ النُّطْفَةِ بالعُرُوقِ الَّتي فيهَا، قالَ ابنُ مَسْعُودٍ: أَمْشَاجُهَا: عُرُوقُهَا.

وقدْ ذَكَرَ علماءُ أهلِ الطِّبِّ ما يُوافِقُ ذلكَ، وقالُوا: إنَّ الْمَنِيَّ إذا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ حَصَلَ لَهُ زَبَدِيَّةٌ ورَغْوَةٌ سِتَّةَ أيَّامٍ أوْ سَبْعَةً، وفي هذهِ الأيَّامِ تُصَوَّرُ النُّطْفَةُ مِنْ غيرِ اسْتِمْدَادٍ مِن الرَّحِمِ، ثُمَّ بعْدَ ذلكَ تَسْتَمِدُّ منهُ، وابْتِدَاءُ الخُطُوطِ والنُّقَطِ بعدَ هذا بثلاثَةِ أيَّامٍ، وقدْ يَتَقَدَّمُ يَوْمًا ويَتَأَخَّرُ يَوْمًا، ثُم بَعْدَ سِتَّةِ أيَّامٍ -وهوَ الخامِسَ عَشَرَ مِنْ وقْتِ العُلُوقِ- يَنْفُذُ الدَّمُ إلى الجميعِ فيَصِيرُ عَلَقَةً، ثُمَّ تَتَمَيَّزُ الأعْضَاءُ تَمَيُّزًا ظاهِرًا، ويَتَنَحَّى بعضُهَا عنْ مُمَاسَّةِ بَعْضٍ، وتَمْتَدُّ رُطُوبَةُ النُّخَاعِ، ثمَّ بعدَ تِسعةِ أيَّامٍ يَنْفَصِلُ الرَّأسُ عن المَنْكِبَيْنِ، والأَطْرَافُ عن الأصابِعِ، تَمَيُّزًا يَتَبَيَّنُ فِي بعضٍ، ويَخْفَى فِي بَعْضٍ.

قالُوا: وأقَلُّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ الذَّكَرُ فيهَا ثلاثونَ يَوْمًا، والزَّمانُ المُعْتَدِلُ فِي تَصَوُّرِ الجَنِينِ خَمْسَةٌ وثلاثونَ يَوْمًا، وقدْ يَتَصَوَّرُ فيِ خمسةٍ وأربعينَ يومًا. قالُوا: ولمْ يُوجَدْ فِي الأَسْقَاطِ ذَكَرٌ تَمَّ قبلَ ثلاثينَ يومًا، ولا أُنْثَى قبلَ أربعينَ يَوْمًا، فهذا يُوَافِقُ ما دَلَّ عليهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ فِي التَّخْلِيقِ فِي الأربعينَ الثَّانِيَةِ، ومَصِيرُهُ لَحْمًا فيهَا أيضًا.

وقدْ حَمَلَ بعضُهم حديثَ ابنِ مَسْعُودٍ على أنَّ الجَنِينَ يَغْلِبُ عليهِ فِي الأربعِينَ الأولى وَصْفُ الْمَنِيِّ، وفي الأربعينَ الثَّانِيَةِ وَصْفُ العَلَقَةِ، وفي الأربعينَ الثَّالِثَةِ وَصْفُ المُضْغَةِ، وإنْ كانَتْ خِلْقَتُهُ قدْ تَمَّتْ وتَمَّ تَصْويرُهُ. وليسَ فِي حديثِ ابنِ مسعودٍ ذِكْرُ وَقْتِ تَصْويرِ الجَنِينِ.

وقدْ رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ نفسِهِ ما يَدُلُّ على أنَّ تصويرَهُ قدْ يَقَعُ قبلَ الأربعينَ الثَّالِثَةِ أيضًا، فرَوَى الشَّعْبِيُّ، عنْ عَلْقَمَةَ، عن ابنِ مسعودٍ قالَ: النُّطْفَةُ إذا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ جاءَهَا مَلَكٌ فأَخَذَهَا بِكَفِّهِ فقالَ: أيْ رَبِّ، مُخَلَّقَةٌ أمْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فإنْ قيلَ: غيرُ مُخَلَّقَةٍ، لمْ تكُنْ نَسَمَةً، وقَذَفَتْهَا الأَرْحَامُ، وإِنْ قيلَ: مُخَلَّقَةٌ، قالَ: أيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أمْ سعيدٌ؟ ما الأَجَلُ؟ وما الأَثَرُ؟ وبأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ؟ قالَ: فيُقَالُ للنُّطْفَةِ: مَنْ رَبُّكِ؟ فتقولُ: اللَّهُ، فَيُقَالُ: مَنْ رَازِقُكِ؟ فتقولُ: اللَّهُ، فيُقَالُ: اذْهَبْ إلى الكِتَابِ؛ فإنَّكَ سَتَجِدُ فيهِ قِصَّةَ هذهِ النُّطْفَةِ. قالَ: فَتُخْلَقُ، فتَعِيشُ فِي أَجَلِهَا، وتَأْكُلُ رِزْقَهَا، وتَطَأُ فِي أَثَرِهَا، حتَّى إذا جاءَ أجلُهَا ماتَتْ ودُفِنَتْ فِي ذلكَ. ثمَّ تَلَا الشَّعْبِيُّ هذهِ الآيَةَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحَجِّ: 5] ، فإِذا بَلَغَتْ مُضْغَةً نُكِسَتْ فِي الخَلْقِ الرَّابِعِ فكانَتْ نَسَمَةً، فإنْ كانَتْ غيرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الأَرْحَامُ دَمًا، وإنْ كانَتْ مُخَلَّقَةً نُكِسَتْ نَسَمَةً. خَرَّجَهُ ابنُ أبِي حاتِمٍ وغيرُهُ.

وقدْ رُوِيَ منْ وَجْهٍ آخَرَ عن ابنِ مسعودٍ، أنْ لا تَصْوِيرَ قبلَ ثمانِينَ يَوْمًا، فَرَوَى السُّدِّيُّ عنْ أبي مالِكٍ وعنْ أبِي صالِحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، وعنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ عن ابنِ مسعودٍ، وعنْ ناسٍ مِنْ أصحابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قولِهِ عزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عِمْرَانَ: 6] ، قالَ: (( إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الْأَرْحَامِ طَارَتْ فِي الْجَسَدِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا بَلَغَ أَنْ تُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُهَا، فَيَأْتِي الْمَلَكُ بِتُرَابٍ بَيْنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت