الصفحة 40 من 391

وقدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي القرآنِ فِي مواضِعَ كثيرةٍ تَقَلُّبَ الجَنِينِ فِي هذِهِ الأطوارِ، كقولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحَجِّ: 5] .

وذَكَرَ هذهِ الأطوارَ الثَّلاثةَ؛ النُّطْفَةَ والعَلَقَةَ والمُضْغَةَ، فِي مواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن القرآنِ، وفي موضِعٍ آخَرَ ذَكَرَ زِيَادَةً عليهَا، فقالَ فِي سورةِ المؤمنينَ [12 - 14] : {ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .

فهذهِ سَبْعُ تَارَاتٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هذهِ الآيَةِ لِخَلْقِ ابنِ آدَمَ قبلَ نَفْخِ الرُّوحِ فيهِ.

وكانَ ابنُ عبَّاسٍ يقولُ: خُلِقَ ابنُ آدَمَ مِنْ سَبْعٍ، ثُمَّ يَتْلُو هذهِ الآيَةَ. وسُئِلَ عن العَزْلِ، فقرَأَ هذهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: فَهَلْ يَخْلَقُ أحَدٌ حتَّى تَجْرِيَ فيهِ هذهِ الصِّفَةُ؟ وفي رِوَايَةٍ عنهُ قالَ: فَهَلْ تَمُوتُ نَفْسٌ حتَّى تَمُرَّ على هذا الْخَلْقِ؟

ورُوِيَ عنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ قالَ: جَلَسَ إلَيَّ عُمَرُ وعَلِيٌّ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ فِي نَفَرٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتَذَاكَرُوا العَزْلَ، فقالُوا: لا بأْسَ بِهِ. فقالَ رَجُلٌ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهَا المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فقال عَلِيٌّ: لا تكونُ مَوْءُودَةً حتَّى تَمُرَّ على التَّارَاتِ السَّبْعِ؛ تكونُ سُلَالَةً مِنْ طينٍ، ثُمَّ تكونُ نُطْفَةً، ثمَّ تَكُونُ عَلَقَةً، ثمَّ تكونُ مُضْغَةً، ثمَّ تَكُونُ عِظامًا، ثمَّ تكونُ لَحْمًا، ثمَّ تكونُ خَلْقًا آخَرَ. فقالَ عمرُ: صَدَقْتَ، أطَالَ اللَّهُ بقاءَكَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي (المُؤْتَلَفِ والمُخْتَلَفِ) .

وقدْ رَخَّصَ طائِفَةٌ مِن الفُقَهاءِ للمرأَةِ فِي إسقاطِ ما فِي بطنِهَا ما لمْ يُنْفَخْ فيهِ الرُّوحُ، وجَعَلُوهُ كالعَزْلِ. وهوَ قَوْلٌ ضعِيفٌ؛ لأنَّ الجنينَ وَلَدٌ انْعَقَدَ، ورُبَّما تُصُوِّرَ، وفىِ العَزْلِ لمْ يُوجَدْ وَلَدٌ بالكُلِّيَّةِ، وإنَّما تَسَبَّبَ إلى مَنْعِ انعقادِهِ، وقدْ لا يَمْتَنِعُ انْعِقَادُهُ بالعَزْلِ إذا أرَادَ اللَّهُ خَلْقَهُ، كما قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عن العَزْلِ: (( لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْزِلُوا؛ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا ) ). وقدْ صَرَّحَ أصحابُنَا بأنَّهُ إِذا صارَ الوَلَدُ عَلَقَةً لمْ يَجُزْ للمَرْأَةِ إِسْقَاطُهُ؛ لأنَّهُ وَلَدٌ انْعَقَدَ، بخلافِ النُّطْفَةِ؛ فإنَّهَا لمْ تَنْعَقِدْ بَعْدُ، وقدْ لا تَنْعَقِدُ وَلَدًا.

وقدْ وَرَدَ فِي بعضِ رِوَايَاتِ حديثِ ابنِ مسعودٍ ذِكْرُ العِظَامِ، وأنَّهُ يكونُ عَظْمًا أربعينَ يَوْمًا، فخَرَّجَ الإِمامُ أحمدُ مِنْ روايَةِ عَلِيِّ بنِ زيدٍ، سَمِعْتُ أبا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ قالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى حَالِهَا لَا تُغَيَّرُ، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ صَارَتْ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً كَذَلِكَ، ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا ) )، وذكَرَ بَقِيَّةَ الحديثِ.

ويُرْوَى مِنْ حديثِ عاصِمٍ، عنْ أبي وائِلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ تَكُونُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَكُونُ عِظَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكْسُو اللَّهُ الْعِظَامَ لَحْمًا ) ).

وروايَةُ الإمامِ أحمدَ تَدُلُّ على أنَّ الجَنِينَ لا يُكْسَى اللَّحْمَ إلَّا بَعْدَ مِائَةٍ وسِتَّينَ يَوْمًا. وهذا غَلَطٌ بلا رَيْبٍ؛ فإنَّهُ بعْدَ مِائَةٍ وعشرينَ يومًا يُنْفَخُ فيهِ الرُّوحُ بلا رَيْبٍ كما سيأتِي ذِكْرُهُ. وعَلِيُّ بنُ زيدٍ: هوَ ابنُ جُدْعَانَ، لا يُحْتَجُّ بِهِ. وقدْ وَرَدَ فِي حديثِ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ ما يَدُلُّ على خَلْقِ اللَّحْمِ والعِظَامِ فِي أوَّلِ الأربعينَ الثَّانِيَةِ؛ ففي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكَتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلَا يَزِيدَ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت