الْمَلَكَ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَعَمَلِهِ، وَأَجَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا )) . رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ (1) .
(1) هذا الحديثُ مُتَّفَقٌ على صِحَّتِهِ، وتَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبُولِ، رَوَاهُ الأَعْمَشُ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عن ابنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ طريقِهِ خرَّجَهُ الشَّيْخَانِ فِي (صحيحَيْهِمَا) . وقدْ رُوِيَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَزِيدَ الأَسْفَاطِيِّ قالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يَرَى النَّائِمُ، فَقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، حَدِيثُ ابنِ مَسْعُودٍ الَّذِي حَدَّثَ عَنْكَ فقالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ حَدَّثْتُهُ بِهِ أَنَا ) )، يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قالَ: غَفَرَ اللَّهُ للأَعْمَشِ كما حَدَّثَ بِهِ، وغَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ حدَّثَ بِهِ قَبْلَ الأَعْمَشِ، ولِمَنْ حَدَّثَ بِهِ بعْدَهُ.
وقدْ رُوِيَ عن ابنِ مسعوِدٍ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
فقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ) )، قدْ رُوِيَ تَفْسِيرُهُ عن ابنِ مسعودٍ، رَوَى الأَعْمَشُ عنْ خَيْثَمَةَ، عن ابنِ مسعودٍ قالَ: إنَّ النُّطْفَةَ إذا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ طارَتْ فِي كُلِّ شَعَرٍ وظُفْرٍ، فتَمْكُثُ أربعينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَنْحَدِرُ فِي الرَّحِمِ، فتَكُونُ عَلَقَةً. قالَ: فذلكَ جَمْعُهَا. خَرَّجَهُ ابنُ أبِي حاتِمٍ وغيرُهُ.
وَرُوِيَ تَفْسِيرُ الجَمْعِ مَرْفُوعًا بمَعْنًى آخَرَ، فَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ وابنُ مَنْدَهْ فِي كتابِ (التوحيدِ) مِنْ حديثِ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ خَلْقَ عَبْدٍ، فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} ) ). وقالَ ابنُ مَنْدَهْ: إِسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ مَشْهُورٌ على رَسْمِ أبِي عِيسَى والنَّسَائِيِّ وغيرِهِمَا.
وخرَّجَ ابنُ جَرِيرٍ، وابنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرَانِيُّ منْ رِوَايَةِ مُطَهَّرِ بنِ الهَيْثَمِ، عنْ مُوسَى بنِ عُلَيِّ بنِ رَبَاحٍ، عنْ أبِيهِ، عنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لِجَدِّهِ: (( يَا فُلَانُ، مَا وُلِدَ لَكَ؟ ) )قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما عَسَى أَنْ يُولَدَ لِي؟ إمَّا غُلامٌ وإمَّا جارِيَةٌ، قالَ: (( فَمَنْ يُشْبِهُ؟ ) )قالَ: مَنْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ؟ يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ. قَالَ: فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَقُولَنَّ كَذَا؛ إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فِي أَيَّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانْفِطَار: 8] ، قالَ: سَلَكَكَ ) ). وهذا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ. ومُطَهَّرُ بنُ الهَيْثَمِ ضَعِيفٌ جِدًّا. وقالَ البُخَارِيُّ: هوَ حديثٌ لمْ يَصِحَّ، وذَكَرَ بإِسْنَادِهِ عنْ مُوسَى بنِ عُلَيٍّ، عنْ أَبِيهِ، أنَّ أَبَاهُ لمْ يُسْلِمْ إلَّا فِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، يَعْنِي: أنَّهُ لا صُحْبَةَ لَهُ.
ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنَى قولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للَّذِي قالَ لَهُ: وَلَدَت امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ: (( لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ ) ).
وقولُهُ: (( ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ) )، يَعْنِي: أربعينَ يَوْمًا، والعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِنْ دَمٍ.
(( ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ) )، يعنِي: أربعينَ يَوْمًا. والمُضْغَةُ: قِطْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ.
(( ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَعَمَلِهِ، وَأَجَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) ).
فهذا الحَدِيثُ يَدُلُّ على أنَّهُ يَتَقَلَّبُ فِي مِائَةٍ وعِشرينَ يَوْمًا، فِي ثلاثَةِ أَطْوَارٍ، فِي كُلِّ أربعينَ مِنهَا يكونُ فِي طَوْرٍ، فيكونُ فِي الأربعينَ الأُولَى نُطْفَةً، ثُمَّ فِي الأربعينَ الثَّانِيَةِ عَلَقَةً، ثُم فِي الأربعينَ الثَّالِثَةِ مُضْغَةً، ثُم بعدَ المِائَةِ وعشرينَ يَوْمًا يَنْفُخُ المَلَكُ فيهِ الرُّوحَ، ويَكْتُبُ لَهُ هذهِ الأَرْبَعَ كَلِمَاتٍ.