واعْلَمْ أنَّهُ ليسَ غَرَضِي إلَّا شْرْحُ الألفاظِ النَّبَوِيَّةِ التي تَضَمَّنَتْهَا هذِهِ الأحاديثُ الكُلِّيَّةُ؛ فلذلكَ لا أَتَقَيَّدُ بألفاظِ الشيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَرَاجِمِ رُوَاةِ هذِهِ الأحاديثِ مِن الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، ولا بألْفَاظِهِ في العَزْوِ إلى الكُتُبِ التي يَعْزُو إليها، وإنَّما آتِي بالمَعْنَى الذي يَدُلُّ على ذلكَ؛ لأَنِّي قدْ أَعْلَمْتُكَ أنَّهُ ليسَ لي غَرَضٌ إلَّا في شَرْحِ معاني كلماتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجوامِعِ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن الآدَابِ وَالحِكَمِ وَالمَعَارِفِ وَالأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ.
وأُشِيرُ إشارةً لطيفَةً قبلَ الكلامِ في شرحِ الحديثِ إلى إسنادِهِ؛ لِيُعْلَمَ بذلكَ صِحَّتُهُ وقُوَّتُهُ وضَعْفُهُ. وأَذْكُرُ بعضَ ما رُوِيَ في معناهُ من الأحاديثِ إنْ كانَ في ذلكَ البابِ شَيْءٌ غيرُ الحديثِ الذي ذَكَرَهُ الشيخُ، وإنْ لمْ يكُنْ في البابِ غَيْرُهُ، أوْ لمْ يَكُنْ يَصِحُّ فيهِ غَيْرُهُ، نَبَّهْتُ على ذلكَ كُلِّهِ. وباللَّهِ المُسْتَعَانُ، وعليهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ.
(1) هذا الحديثُ تَفَرَّدَ بروايَتِهِ يَحْيَى بنُ سعيدٍ الأنصارِيُّ عنْ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عنْ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ. وليسَ لَهُ طريقٌ تَصِحُّ غيرُ هذِهِ الطريقِ، كذا قالَهُ عليُّ بنُ المَدِينِيِّ وغيرُهُ. وقالَ الخَطَّابِيُّ: لا أَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ الحديثِ في ذَلِكَ، معَ أنَّهُ قدْ رُوِيَ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ وغيرِهِ. وقدْ قيلَ: إنَّهُ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كثيرةٍ، لكنْ لا يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ شيءٌ عندَ الحُفَّاظِ.
ثمَّ رَوَاهُ عن الأنصاريِّ الخَلْقُ الكثيرُ والجَمُّ الغفيرُ، فقيلَ: رَوَاهُ عنهُ أكثرُ مِنْ مِائَتَيْ راوٍ، وقيلَ: رَواهُ عنهُ سبعُمِائَةِ راوٍ. ومِنْ أعيانِهم: مالِكٌ، والثَّورِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، واللَّيثُ بنُ سَعْدٍ، وحمَّادُ بنُ زَيْدٍ، وشُعْبَةُ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وغَيْرُهم.
واتَّفَقَ العُلماءُ على صِحَّتِهِ وتَلَقِّيهِ بالقَبُولِ، وبِهِ صَدَّرَ البُخَارِيُّ كِتَابَهُ (الصَّحيحَ) ، وأَقَامَهُ مقامَ الخُطْبَةِ لَهُ؛ إشارةً مِنهُ إلى أنَّ كُلَّ عَمَلٍ لا يُرادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ فهوَ باطلٌ، لا ثَمَرَةَ لهُ في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ؛ ولهذا قالَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ: لوْ صنَّفْتُ الأبوابَ لجَعَلْتُ حديثَ عُمَرَ في الأعمالِ بالنِّيَّةِ في كلِّ بابٍ. وعنهُ أنَّهُ قالَ: مَنْ أرادَ أنْ يُصَنِّفَ كتابًا فلْيَبْدَأْ بحديثِ (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ).
وهذا الحديثُ أَحَدُ الأحاديثِ التي يدُورُ الدِّينُ عليها، فَرُوِيَ عن الشَّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: هذا الحديثُ ثُلُثُ العِلْمِ، ويَدْخُلُ في سبعينَ بابًا مِن الفِقْهِ.
وعَن الإِمامِ أحمدَ قالَ: أُصُولُ الإِسلامِ على ثلاثةِ أحاديثَ: حديثِ عُمَرَ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وحديثِ عائِشَةَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، وحديثِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) ). وقالَ الحاكِمُ: حَدَّثُونَا عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ أحمدَ، عنْ أبيهِ، أنَّهُ ذَكَرَ قولَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وقولَهُ: (( إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ) )، وقولَهُ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، فقالَ: يَنْبَغِي أنْ يُبْدَأَ بهذِهِ الأحاديثِ في كُلِّ تَصْنِيفٍ؛ فإنَّها أُصُولُ الحديثِ.
وعنْ إِسْحَاقَ بنِ رَاهُويَهْ قالَ: أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ هيَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ: حديثُ عُمَرَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وحديثُ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) )، وحديثُ: (( إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) )، وحديثُ: (( مَنْ صَنَعَ فِي أَمْرِنَا شَيْئًا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) ).
ورَوَى عثمانُ بنُ سعيدٍ عنْ أبي عُبَيْدٍ قالَ: جَمَعَ النبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ جَمِيعَ أَمْرِ الآخِرَةِ في كَلِمَةٍ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، وجَمَعَ أمْرَ الدُّنْيَا كُلَّهُ في كَلِمَةٍ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، يدْخُلانِ في كلِّ بابٍ.