الصفحة 3 من 391

ورَوَى هشامُ بنُ عمَّارٍ في كتابِ (المَبْعَثِ) بإسنادِهِ عنْ أبي سلَّامٍ الْحَبَشِيِّ قالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: (( فُضِّلْتُ عَلَى مَنْ قَبْلِي بِسِتٍّ، وَلَا فَخْرَ ) )، فذَكَرَ مِنها قَالَ: (( وَأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَجْعَلُونَهَا جُزْءًا بِاللَّيْلِ إِلَى الصَّبَاحِ، فَجَمَعَهَا لِي رَبِّي فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد: 1] ) ).

فجوامِعُ الكَلَمِ التي خُصَّ بها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْعَانِ:

أحَدُهُمَا: ما هوَ في القرآنِ، كقولِهِ عزَّ وجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90] ، قالَ الحَسَنُ: لمْ تَتْرُكْ هَذِهِ الآيَةُ خَيْرًا إلَّا أَمَرَتْ بِهِ، وَلا شَرًّا إِلَّا نَهَتْ عَنْهُ.

والثَّاني: ما هوَ في كلامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهوَ مُنْتَشِرٌ موجودٌ في السُّنَنِ المأثورَةِ عنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقدْ جَمَعَ العُلَمَاءُ جُمُوعًا منْ كَلِمَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجامِعَةِ. فصنَّفَ الحافِظُ أبو بكرِ بنُ السُّنِّيِّ كِتَابًا سَمَّاهُ: (الإيجازُ وجوامِعُ الكَلِمِ مِن السُّنَنِ المأْثُورَةِ) . وجَمَعَ القاضِي أبو عبدِ اللَّهِ القُضَاعِيُّ مِنْ جوامِعِ الكَلِمِ الوَجِيزَةِ كِتابًا سمَّاهُ: (الشِّهَابُ في الحِكَمِ والآدَابِ) ، وصنَّفَ عَلَى مِنْوَالِهِ قَوْمٌ آخرونَ، فزادُوا على ما ذَكَرَهُ زيادَةً كثيرةً. وأشارَ الخَطَّابِيُّ في أوَّلِ كتابِهِ (غريبِ الحديثِ) إلى يَسِيرٍ من الأحاديثِ الجامِعَةِ.

وأمْلَى الإمامُ الحافِظُ أبو عَمْرِو بنُ الصَّلَاحِ مَجْلِسًا سَمَّاهُ (الأحاديثَ الكُلِّيَّةَ) ، جَمَعَ فيهِ الأحادِيثَ الجوامِعَ الَّتي يُقالُ: إِنَّ مَدارَ الدِّينِ عليها، وما كانَ في معْنَاهَا مِن الكلماتِ الجامِعَةِ الوجيزةِ، فاشْتَمَلَ مجلِسُهُ هذا على سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ حديثًا.

ثمَّ إنَّ الفَقيهَ الإمامَ الزَّاهِدَ القُدوةَ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى النَّوَوِيَّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَخَذَ هذهِ الأحاديثَ التي أَمْلاها ابنُ الصَّلاحِ وزَادَ عليها تَمَامَ اثنيْنِ وأربعينَ حَدِيثًا، وسَمَّى كتابَهُ (بالأرْبَعِينَ) . واشْتُهِرَتْ هذهِ الأربعونَ التي جَمَعَها، وَكَثُرَ حِفْظُها، ونَفَعَ اللَّهُ بهَا بِبَرَكَةِ نِيَّةِ جامِعِها وحُسْنِ قَصْدِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وقدْ تَكَرَّرَ سؤالُ جماعةٍ منْ طَلَبَةِ العِلْمِ والدِّينِ لتعليقِ شَرْحٍ لهذِهِ الأحاديثِ المُشارِ إليها، فاسْتَخَرْتُ اللَّهَ سبحَانَهُ وتعالَى في جَمْعِ كتابٍ يَتَضَمَّنُ شَرْحَ ما يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تعالَى مِنْ مَعَانِيها، وتَقْييدَ ما يَفْتَحُ بِهِ سُبْحانَهُ منْ تَبْيِينِ قواعِدِها وَمَبَانِيهَا. وإيَّاهُ أَسألُ العَوْنَ على ما قَصَدْتُ، والتَّوْفِيقَ لصلاحِ النِّيَّةِ والقَصْدِ فيما أَرَدْتُ، وَأُعَوِّلُ في أَمْرِي كُلِّهِ عَلَيْهِ، وأَبْرَأُ مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ إِلَّا إِليهِ.

وقدْ كانَ بعضُ مَنْ شَرَحَ هذِهِ الأربعينَ قدْ تَعَقَّبَ على جامِعِهَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَرْكَهُ لحديثِ: (( أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ) )، قالَ: لأنَّهُ جامِعٌ لقواعِدِ الفرائِضِ التي هيَ نِصْفُ العِلْمِ، فكانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ في هذهِ الأحاديثِ الجامِعَةِ، كما ذَكَرَ حديثَ: (( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ) )؛ لجَمْعِهِ لأحكامِ القَضَاءِ.

فرأيتُ أنا أنْ أَضُمَّ هذا الحديثَ إلى أحاديثِ الأربعينَ التي جَمَعَهَا الشيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وأنْ أَضُمَّ إلى ذلكَ كُلِّهِ أحاديثَ أُخَرَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ الجَامِعَةِ لأنواعِ العُلومِ والحِكَمِ؛ حتَّى تَكْمُلَ عِدَّةُ الأحاديثِ كُلِّها خمسينَ حديثًا. وهذِهِ تسميَةُ الأحاديثِ المَزِيدَةِ على ما ذَكَرَهُ الشيخُ رحِمَهُ اللَّهُ في كتابِهِ:

حديثُ: (( أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ) )، حديثُ: (( يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ ) )، حديثُ: (( إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ ) )، حديثُ: (( كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) )، حديثُ: (( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ) )، حديثُ: (( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا ) )، حديثُ: (( لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ) )، حديثُ: (( لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ). وسَمَّيْتُهُ:

جَامِعَ العُلُومِ والحِكَمِ في شَرْحِ خمسينَ حديثًا منْ جوامِعِ الكَلِمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت