الصفحة 5 من 391

وعنْ أبي دَاودَ قالَ: نَظَرْتُ في الحديثِ المُسْنَدِ، فإذا هوَ أَرْبَعَةُ آلافِ حديثٍ، ثُمَّ نَظَرْتُ فإذا مَدَارُ الأربَعَةِ آلافِ حديثٍ على أربعةِ أحاديثَ: حديثِ النُّعْمَانِ بنِ بشيرٍ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) )، وحديثِ عُمَرَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وحديثِ أبي هُريرةَ: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ) )الحديثَ، وحديثِ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) ). قالَ: فَكُلُّ حديثٍ مِنْ هذِهِ رُبْعُ العِلْمِ.

وعنْ أبي دَاودَ أيضًا قالَ: كَتَبْتُ عنْ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَديثٍ، انْتَخَبْتُ مِنها ما ضَمَّنْتُهُ هذا الكِتَابَ -يَعْنِي كِتَابَ (السُّنَنِ) -جَمَعْتُ فيهِ أربعةَ آلافٍ وثَمَانَمِائَةِ حديثٍ، ويَكْفِي الإِنسانَ لدينِهِ مِنْ ذَلِكَ أربعةُ أحاديثَ:

أحدُها: قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ).

والثَّاني: قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) ).

والثالِثُ: قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَكُونُ الْمُؤمِنُ مُؤْمِنًا حتَّى لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ إِلَّا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ ) ).

والرَّابِعُ: قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) ).

وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عنهُ، أنَّهُ قالَ: الفِقْهُ يَدُورُ على خَمْسَةِ أحاديثَ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بيِّنٌ ) )، وقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ ) )، وقولِهِ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وقولِهِ: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) )، وقولِهِ: (( وَمَا نَهْيتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمْرتُكُمْ بِهِ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ).

وفي روايَةٍ عنهُ قالَ: أُصُولُ السُّنَنِ في كُلِّ فَنٍّ أربَعَةُ أحاديثَ: حديثُ عُمَرَ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وحديثُ: (( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ) )، وحديثُ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) )، وحديثُ: (( ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ ) ).

وللحافِظِ أبي الحَسَنِ طاهِرِ بنِ مُفَوِّزٍ المَعَافِرِيِّ الأنْدُلُسِيِّ:

عُمْدَةُ الدِّينِ عِندَنَا كَلِمَاتٌ * أَرْبَعٌ مِنْ كلامِ خَيْرِ البَرِيَّهْ

اتَّقِ الشُّبُهَاتِ وازْهَدْ وَدَعْ * مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ واعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ

فقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، وفي روايَةٍ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ).

وكلاهُمَا يَقْتَضِي الحَصْرَ على الصَّحيحِ، وليسَ غَرَضُنا هَا هُنَا تَوْجِيهَ ذَلِكَ، ولا بَسْطَ القَوْلِ فيهِ.

وقد اخْتُلِفَ في تقديرِ قولِهِ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) )، فكثيرٌ مِن المُتَأَخِّرِينَ يَزعُمُ أنَّ تقديرَهُ: الْأَعْمَالُ صَحِيحَةٌ، أوْ مُعْتَبَرَةٌ، أوْ مَقْبُولَةٌ بالنِّيَّاتِ. وعلى هذا، فالأعمالُ إنَّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرْعِيَّةُ المُفْتَقِرةُ إلى النِّيَّةِ. فأمَّا ما لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ كالعاداتِ مِن الأكلِ والشُّرْبِ واللُّبْسِ وغيرِها، أوْ مثلِ رَدِّ الأماناتِ والمَضْمُونَاتِ، كالودائِعِ والغُصُوبِ، فلا يَحتَاجُ شيءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَى نِيَّةٍ، فيُخَصُّ هذا كُلُّهُ مِنْ عُمُومِ الأعمالِ المذكَورَةِ هَا هُنا.

وقال آخرونَ: بل الأعمالُ هنا على عُمُومِهَا، لا يُخَصُّ منها شيءٌ. وَحَكَاهُ بَعْضُهم عن الجمهورِ، وكأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ جُمْهُورَ المُتَقَدِّمِينَ. وقدْ وَقَعَ ذَلِكَ في كلامِ ابنِ جريرٍ الطَّبَرِيِّ وأبي طالِبٍ المَكِّيِّ وغيرِهِمَا مِن المُتَقَدِّمِين، وهوَ ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أَحْمَدَ.

قالَ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: أُحِبُّ لكلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ صلاةٍ، أوْ صيامٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ نوعٍ مِنْ أنواعِ البِرِّ، أنْ تكونَ النِّيَّةُ مُتَقَدِّمَةً في ذَلِكَ قبلَ الفِعْلِ؛ قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ). فهذا يَأْتِي على كُلِّ أمْرٍ مِن الأُمورِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت