وخَرَّجَ أَيْضًا بإِسْنَادِهِ عَن ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ خَمْسٍ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآيَةَ.
قَوْلُهُ: (( فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا ) )، يَعْنِي: عَنْ عَلَامَاتِهَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى اقْتِرَابِهَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا ) )، وهيَ عَلَامَاتُهَا أَيْضًا.
وقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ للسَّاعَةِ عَلَامَتَيْنِ:
الأُولَى: (( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ) )، والمُرَادُ بِرَبَّتِهَا سيِّدَتُهَا ومَالِكَتُهَا. وفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (( رَبَّهَا ) ). وهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى فَتْحِ البِلَادِ، وكَثْرَةِ جَلْبِ الرَّقِيقِ حَتَّى تَكْثُرَ السَّرَارِي، ويَكْثُرَ أَوْلَادُهُنَّ، فتَكُونُ الْأُمُّ رَقِيقَةً لِسَيِّدِهَا، وَأَوْلَادُهُ مِنْهَا بِمَنْزِلَتِهِ؛ فَإِنَّ وَلَدَ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَةِ السَّيِّدِ، فيَصِيرُ وَلَدُ الْأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ رَبِّهَا وسَيِّدِهَا.
وذَكَرَ الخَطَّابِيُّ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إِنَّمَا تُعْتَقُ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ مِيرَاثِ وَالِدِهِ، وإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى أَوْلَادِهَا بالمِيرَاثِ فَتُعْتَقُ عَلَيْهِم، وَإِنَّهَا قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا تُبَاعُ. قَالَ: وفِي هَذَا الاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: قَد اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُم عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وعَلَى أَنَّ أُمَّ الوَلَدِ لَا تُبَاعُ، وأَنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ وَلَدَ الْأَمَةِ رَبَّهَا، فَكَأَنَّ وَلَدَهَا هوَ الذِي أَعْتَقَهَا فَصَارَ عِتْقُهَا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ عِتْقِهَا، فَصَارَ كَأَنَّهُ مَوْلَاهَا.
وهَذَا كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي أُمِّ وَلَدِهِ مَارِيَةَ لَمَّا وَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (( أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا ) ).
وقَد اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ عَنْهُ: تَلِدُ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا: تَكْثُرُ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، يَقُولُ: إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ عُتِقَتْ لِوَلَدِهَا، وقَالَ: فِيهِ حُجَّةُ أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُبَعْنَ.
وقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ: (( تَلِدُ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ) )، بِأَنَّهُ يَكْثُرُ جَلْبُ الرَّقِيقِ، حَتَّى تُجْلَبَ البِنْتُ فَتُعْتَقَ، ثُمَّ تُجْلَبَ الْأُمُّ فتَشْتَرِيَهَا البِنْتُ وتَسْتَخْدِمَهَا جَاهِلَةً بأَنَّهَا أُمُّهَا، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فِي الْإِسْلَامِ.
وقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَاءَ يَلِدْنَ المُلُوكَ. وقَالَ وَكِيعٌ: مَعْنَاهُ: تَلِدُ الْعَجَمُ العَرَبَ، والعَرَبُ مُلُوكُ العَجَمِ وأَرْبَابٌ لَهُم.
والعَلَامَةُ الثَانِيَةُ: (( أَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ ) ).
والمُرَادُ بالعَالَةِ: الفُقَرَاءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضُّحى -8] .
وقَوْلُهُ: (( رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ) ). هَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، والمُرَادُ أَنَّ أَسَافِلَ النَّاسِ يَصِيرُونَ رُؤَسَاءَهُم، وتَكْثُرُ أَمْوَالُهم حَتَّى يَتَبَاهَوْا بِطُولِ البُنْيَانِ وزَخْرَفَتِهِ وإِتْقَانِهِ.
وفي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ؛ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ الْحُفَاةُ العُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ، ومِنْهَا: أَنْ يَتَطَاوَلَ رِعَاءُ البَهْمِ فِي البُنْيَانِ.
ورَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَطَاءٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، فَقَالَ فِيهِ: (( وَأَنْ تَرَى الصُّمَّ الْبُكْمَ الْعُمْيَ الْحُفَاةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ مُلُوكَ النَّاسِ ) )، قَالَ: فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَعَتَّ؟ قَالَ: (( هُمُ الْعُرَيْبُ ) ). وكَذَا رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ الْأَخِيرَةَ عَلِيُّ بنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ عن ابنِ عُمَرَ. وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْأُوَلُ، فَهِيَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهَا.
وقَوْلُهُ: (( الصُّمَّ الْبُكْمَ الْعُمْيَ ) )، إِشَارَةٌ إِلَى جَهْلِهِم وعَدَمِ عِلْمِهِم وفَهْمِهِم.