الصفحة 34 من 391

وفي هَذَا المَعْنَى أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ، فَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنيَا لُكَعَ بْنَ لُكَعٍ ) ).

وفِي (صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ) : عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ لُكَعِ بْنِ لُكَعٍ ) ).

وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ ) ).

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُتَّهَمُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْمُتَّهَمُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ ) )، قَالُوا: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: (( السَّفِيهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ) ). وفِي رِوَايَةٍ: (( الْفَاسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ ) ). وفِي رِوَايَةٍ للإِمَامِ أَحْمَدَ: (( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ ) )، وذَكَرَ بَاقِيَهُ.

ومَضْمُونُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْأُمُورَ تُوَسَّدُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَن السَّاعَةِ: (( إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ) )؛ فَإِنَّهُ إِذَا صَارَ الحُفَاةُ العُرَاةُ رِعَاءُ الشَّاءِ -وهُمْ أَهْلُ الجَهْلِ والجَفَاءِ- رُءُوسَ النَّاسِ، وأَصْحَابَ الثَّرْوَةِ والْأَمْوَالِ، حَتَّى يَتَطَاوَلُوا فِي البُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بذَلِكَ نِظَامُ الدِّينِ والدُّنْيَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا رَأَسَ النَّاسَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا عَائِلًا، فَصَارَ مَلِكًا عَلَى النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ مُلْكُهُ عَامًّا أَو خَاصًّا فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُعْطِي النَّاسَ حُقُوقَهُم، بَلْ يَسْتَأْثِرُ عَلَيْهِم بِمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِن المَالِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَئِنْ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى فَمِ التِّنِّينَ فَيَقْضِمُهَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَمُدَّهَا إِلَى يَدِ غَنِيٍّ قَدْ عَالَجَ الْفَقْرَ. وإِذَا كَانَ مَعَ هَذَا جَاهِلًا جَافِيًا فَسَدَ بذَلِكَ الدِّينُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ هِمَّةٌ فِي إِصْلَاحِ دِينِ النَّاسِ وَلَا تَعْلِيمِهِم، بلْ هِمَّتُهُ فِي جِبَايَةِ المَالِ واكْتِنَازِهِ، وَلَا يُبَالِي بِمَا فَسَدَ مِنْ دِينِ النَّاسِ، وَلَا بِمَنْ ضَاعَ مِنْ أَهْلِ حَاجَاتِهِم.

وفي حَدِيثٍ آخَرَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلَةٍ مُنَافِقُوهَا ) ).

وإِذَا صَارَ مُلُوكُ النَّاسِ ورُءُوسُهُم عَلَى هَذِهِ الحَالِ انْعَكَسَتْ سَائِرُ الْأَحْوَالِ، فَصُدِّقَ الكَاذِبُ، وكُذِّبَ الصَّادِقُ، وائْتُمِنَ الخَائِنُ، وخُوِّنَ الأَمِينُ، وتَكَلَّمَ الجَاهِلُ، وسَكَتَ العَالِمُ أوْ عُدِمَ بالكُلِّيَّةِ، كَمَا صَحَّ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ ) )، وأَخْبَرَ: (( أَنَّهُ يُقْبَضُ الْعِلْمُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) ). وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَصِيرَ العِلْمُ جَهْلًا، والجَهْلُ عِلْمًا.

وهَذَا كُلُّهُ مِن انْقِلَابِ الحَقَائِقِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وانْعِكَاسِ الْأُمُورِ.

وفِي (صَحِيحِ الحَاكِمِ) : عِنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: (( إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُوضَعَ الْأَخْيَارُ، وَيُرْفَعَ الْأَشْرَارُ ) ).

وفِي قَوْلِهِ: (( يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ) )، دَلِيلٌ عَلَى ذَمِّ التَّبَاهِي والتَّفَاخُرِ، خُصُوصًا بالتَّطَاوُلِ فِي البُنْيَانِ. ولَمْ يَكُنْ إِطَالَةُ البِنَاءِ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ كَانَ بُنْيَانُهم قَصِيرًا بِقَدْرِ الحَاجَةِ. ورَوَى أَبُو الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ ) ). خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ.

وخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً، فَقَالَ: (( مَا هَذِهِ؟ ) )قَالُوا: هَذِهِ لِفُلَانٍ، رَجُلٍ مِن الْأَنْصَارِ. فَجَاءَ صَاحِبُهَا، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَهَدَمَهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت