وعنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ أَدْهَمَ قَالَ: أَعْلَى الدَّرَجَاتِ أَنْ تَنْقَطِعَ إِلَى رَبِّكَ، وتَسْتَأْنِسَ إِلَيْهِ بقَلْبِكَ وعَقْلِكَ وجَمِيعِ جَوَارِحِكَ، حَتَّى لَا تَرْجُوَ إلَّا رَبَّكَ، وَلَا تَخَافَ إلَّا ذَنْبَكَ، وتَرْسَخَ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِكَ حَتَّى لَا تُؤْثِرَ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تُبالِ فِي بَرٍّ كُنْتَ أوْ فِي بَحْرٍ، أوْ فِي سَهْلٍ أوْ فِي جَبَلٍ، وكَانَ شَوْقُكَ إِلَى لِقَاءِ الحَبِيبِ شَوْقَ الظَّمْآنِ إِلَى الْمَاءِ البَارِدِ، وشَوْقَ الجَائِعِ إِلَى الطَّعَامِ الطَّيِّبِ، ويَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَكَ أَحْلَى مِن العَسَلِ، وأَحْلَى مِن المَاءِ العَذْبِ الصَّافِي عِنْدَ العَطْشَانِ فِي اليَوْمِ الصَّائِفِ.
وقَالَ الفُضَيْلُ: طُوبَى لِمَن اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ وَكَانَ اللَّهُ جَلِيسَهُ.
وقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا آنَسَنِي اللَّهُ إلَّا بِهِ أَبَدًا.
وقَالَ مَعْرُوفٌ لِرَجُلٍ: تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ؛ حَتَّى يَكُونَ جَلِيسَكَ وأَنِيسَكَ ومَوْضِعَ شَكْوَاكَ.
وقَالَ ذُو النُّونِ: مِنْ عَلَامَةِ المُحِبِّينَ لِلَّهِ أَنْ لَا يَأْنَسُوا بِسَوَاهُ، وَلَا يَسْتَوْحِشُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا سَكَنَ القَلْبَ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى أَنِسَ باللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَلُّ فيِ صُدُورِ العَارِفِينَ أنْ يُحِبُّوا سِوَاهُ.
وكَلَامُ القَوْمِ فِي هَذَا البَابِ يَطُولُ ذِكْرُهُ جِدًّا، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِمَّا دلَّ عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ، عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ العُلُومِ والمَعَارِفِ تَرْجِعُ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ وتَدْخُلُ تَحْتَهُ، وأَنَّ جَمِيعَ العُلَمَاءِ مِنْ فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّة لَا تَخْرُجُ عُلُومُهم الَّتِي يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا عَن هَذَا الحَدِيثِ ومَا دَلَّ عَلَيْهِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا؛ فَإِنَّ الفُقَهَاءَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي العِبَادَاتِ التي هيَ مِنْ جُمْلَةِ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، ويُضِيفُونَ إِلَى ذَلِكَ الكَلَامَ فِي أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ والْأَبْضَاعِ والدِّمَاءِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. ويَبْقَى كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ مِن الْآدَابِ والْأَخْلَاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إلَّا القَلِيلُ مِنْهُم، ولَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ، وهُمَا أَصْلُ الْإِسْلَامِ كُلِّهِ.
والَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، يَتَكَلَّمُونَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وعَلَى الْإِيمَانِ باللَّهِ، ومَلَائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليَوْمِ الْآخِرِ، والْإِيمَانِ بالقَدَرِ.
والَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَلَى عِلْمِ المَعَارِفِ والمُعَامَلَاتِ يَتَكَلَّمُونَ عَلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ، وعَلَى الْأَعْمَالِ البَاطِنَةِ التِي تَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ أَيْضًا، كَالْخَشْيَةِ، والمَحَبَّةِ، والتَّوَكُّلِ، والرِّضا، والصَّبْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. فانْحَصَرَت العُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ التي يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فِرَقُ المُسْلِمِينَ فِي هَذَا الحَدِيثِ، ورَجَعَتْ كُلُّهَا إِلَيْهِ. فَفِي هَذَا الحَدِيثِ وَحْدَهُ كِفَايَةٌ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ.
وبَقِيَ الكَلَامُ عَلَى ذِكْرِ السَّاعَةِ مِن الحَدِيثِ.
فَقَوْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَخْبِرْنِي عَن السَّاعَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ) )، يَعْنِي: أَنَّ عِلْمَ الخَلْقِ كُلِّهِم فِي وَقْتِ السَّاعَةِ سَوَاءٌ. وهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا؛ ولِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ) )، ثُمَّ تَلَا: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لُقْمَان: 34] ، وقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [الأعراف: 187] .
وفِي (صَحِيحِ البُخَارِي) : عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ) )، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآيَةَ.
وخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، ولَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخَمْسَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآيَةَ ) ).