الصفحة 31 من 391

وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى هَذَا المَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ، وقَوْلِهِ تَعَالَى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} ، وقَوْلِهِ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المُجَادَلَة: 7] ، وَقَوْلِهِ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يُونُس: 61] ، وقَوْلِهِ: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، وقَوْلِهِ: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108] .

وقَدْ وَرَدَت الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بالنَّدْبِ إِلَى اسْتِحْضَارِ هَذَا القُرْبِ فِي حَالِ العِبَادَاتِ، كقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ) )، وقَوْلِهِ: (( إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى ) )، وقَوْلِهِ: (( إِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ) )، وقَوْلِهِ للَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُم بالذِّكْرِ: (( إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا ) )، وَفِي رِوَايَةٍ: (( وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ ) )، وَفِي رِوَايَةٍ: (( هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) )، وقَوْلِهِ: (( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ ) )، وقَوْلِهِ: (( يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا مَعَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) ).

ومَنْ فَهِمَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ تَشْبِيهًا أوْ حُلُولًا أو اتِّحَادًا، فَإِنَّما أُتِيَ مِنْ جَهْلِهِ وسُوءِ فَهْمِهِ عَن اللَّهِ ورَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واللَّهُ ورَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

قَالَ بَكْرٌ المُزَنِيُّ: مَنْ مِثْلُكَ يَا ابْنَ آدَمَ: خُلِّيَ بَيْنَكَ وبَيْنَ المِحْرَابِ والمَاءِ، كُلَّمَا شِئْتَ دَخَلْتَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ.

ومَنْ وَصَلَ إِلَى اسْتِحْضَارِ هَذَا فِي حَالِ ذِكْرِهِ لِلَّهِ وعِبَادَتِهِ، اسْتَأْنَسَ باللَّهِ، واسْتَوْحَشَ مِنْ خَلْقِهِ ضَرُورَةً.

قَالَ ثَوْرُ بنُ يَزِيدَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الحَوَارِيِّينَ، كَلِّمُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وكَلِّمُوا النَّاسَ قَلِيلًا، قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ اللَّهَ كَثِيرًا؟ قَالَ: اخْلُوا بِمُنَاجَاتِهِ، اخْلُوا بدُعَائِهِ. خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.

وخَرَّجَ أَيْضًا بإِسْنَادِهِ عنْ رِيَاحٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، حَتَّى أُقْعِدَ مِنْ رِجْلَيْهِ، فكَانَ يُصَلِّي جَالِسًا أَلْفَ رَكْعَةٍ، فَإِذَا صَلَّى العَصْرَ احْتَبَى فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ويَقُولُ: عَجِبْتُ للخَلِيقَةِ كَيْفَ أَنِسَتْ بسِوَاكَ؟! بَلْ عَجِبْتُ للخَلِيقَةِ كَيْف اسْتَنَارَتْ قُلُوبُهَا بِذِكْرِ سِوَاكَ؟!

وقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ النَّضْرِ الحَارِثِيِّ، فَرَأَيْتُهُ كَأَنَّهُ مُنْقَبِضٌ، فَقُلْتُ: كَأَنَّكَ تَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى؟ قَالَ: أَجَلْ، فَقُلْتُ: أَوَمَا تَسْتَوْحِشُ؟ فَقَالَ: كَيْفَ أَسْتَوْحِشُ وهوَ يَقُولُ: أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي.

وقِيلَ لِمَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ وهوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِهِ وحْدَهُ: أَلَا تَسْتَوْحِشُ؟ فقَالَ: أَوَيَسْتَوْحِشُ مَعَ اللَّهِ أَحَدٌ؟

وكَانَ حَبِيبٌ أَبُو مُحَمَّدٍ يَخْلُو فِي بَيْتِهِ ويَقُولُ: مَنْ لَمْ تَقَرَّ عَيْنُهُ بِكَ فَلَا قَرَّتْ عَيْنُهُ، ومَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِكَ فَلَا أَنِسَ.

وقَالَ غَزْوَانُ: إِنِّي أَصَبْتُ رَاحَةَ قَلْبِي فِي مُجَالَسَةِ مَنْ لَدَيْهِ حَاجَتِي.

وقَالَ مُسْلِمُ بنُ يَسَارٍ: مَا تَلَذَّذَ المُتَلَذِّذُونَ بِمِثْلِ الخَلْوَةِ بِمُنَاجَاةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَالَ مُسْلِمٌ العَابِدُ: لَوْلَا الجَمَاعَةُ مَا خَرَجْتُ مِنْ بَابِي أَبَدًا حَتَّى أَمُوتَ، وقَالَ: مَا يَجِدُ المُطِيعُونَ لِلَّهِ لَذَّةً فِي الدُّنْيَا أَحْلَى مِن الخَلْوَةِ بِمُنَاجَاةِ سَيِّدِهِم، وَلَا أَحْسَبُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ أَكْبَرَ فِي صُدُورِهِم وألَذَّ فِي قُلُوبِهِم مِن النَّظَرِ إِلَيْهِ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت