الصفحة 30 من 391

ويُرْوَى عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَصَّاهُ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: (( اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا ذَا هَيْبَةٍ مِنْ أَهْلِكَ ) ).

وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ كَشْفِ العَوْرَةِ خَاليًا، فَقَالَ: (( اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ ) ).

ووَصَّى أَبُو الدَّرْدَاءِ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: اعْبُد اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ.

وخَطَبَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ إِلَى ابنِ عُمَرَ ابْنَتَهُ وَهُمَا فِي الطَّوَافِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: كُنَّا فِي الطَّوَافِ نَتَخَايَلُ اللَّهَ بَيْنَ أَعْيُنِنَا. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) ).

قِيلَ: إِنَّهُ تَعْلِيلٌ للْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا أُمِرَ بِمُرَاقَبَةِ اللَّهِ فِي العِبَادَةِ، واسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ مِنْ عَبْدِهِ، حَتَّى كَأَنَّ العَبْدَ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِإِيمَانِهِ بأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، ويَطَّلِعُ عَلَى سِرِّهِ وعَلَانِيَتِهِ، وبَاطِنِهِ وظَاهِرِهِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ. فَإِذَا حَقَّقَ هَذَا المَقَامَ سَهُلَ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ إِلَى المَقَامِ الثَّانِي، وهوَ دَوَامُ التَّحْدِيقِ بالبَصِيرَةِ إِلَى قُرْبِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِهِ ومَعِيَّتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ.

وقِيلَ: بَلْ هوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَلْيَعْبُد اللَّهَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ، فَلْيَسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ: اتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ.

وقَالَ بَعْضُهُم: خَفِ اللَّهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ، واسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ.

قَالَتْ بَعْضُ العَارِفَاتِ مِن السَّلَفِ: مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ عَلَى المُشَاهَدَةِ فَهُو عَارِفٌ، وَمَنْ عَمِلَ عَلَى مُشَاهَدَةِ اللَّهِ إيَّاهُ فَهُو مُخْلِصٌ. فَأَشَارَتْ إِلَى المَقَامَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما:

أَحَدُهُمَا: مَقَامُ الْإِخْلَاصِ، وهوَ أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ عَلَى اسْتِحْضَارِ مُشَاهَدَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ، واطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، وقُرْبِهِ مِنْهُ. فَإِذَا اسْتَحْضَرَ العَبْدُ هَذَا فِي عَمَلِهِ، وعَمِلَ عَلَيْهِ، فَهُو مُخْلِصٌ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْضَارَهُ ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ يَمْنَعُهُ مِن الالتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وإِرَادَتِهِ بالعَمَلِ.

والثَّانِي: مَقَامُ المُشَاهَدَةِ، وهوَ أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ عَلَى مُقْتَضَى مُشَاهَدَتِهِ لِلَّهِ بقَلْبِهِ، وهوَ أَنْ يَتَنَوَّرَ القَلْبُ بالْإِيمَانِ، وتَنْفُذَ البَصِيرَةُ فِي العِرْفَانِ، حَتَّى يَصِيرَ الغَيْبُ كَالْعِيَانِ.

وهَذَا هوَ حَقِيقَةُ مَقَامِ الْإِحْسَانِ المُشَارِ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ويَتَفَاوَتُ أَهْلُ هَذَا المَقَامِ فِيهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ نُفُوذِ البَصَائِرِ.

وَقَدْ فَسَّرَ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ المَثَلَ الْأَعْلَى المَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الرُّوم: 27] ، بِهَذَا المَعْنَى. ومِثْلُهُ قولُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35] ، والمُرَادُ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ. كَذَا قَالَهُ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ.

وقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ: (( أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ ) )، وحَدِيثُ: مَا تَزْكِيَةُ المَرْءِ نَفْسَهُ؟ قَالَ: (( أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ ) ).

وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوَجَّهَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ ) )، وذَكَرَ الحَدِيثَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت