الصفحة 29 من 391

وأمَّا الْإِحْسَانُ، فَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي القُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ: تَارَةً مَقْرُونًا بالإِيمانِ، وتارَةً مَقْرونًا بالإِسلامِ، وتارَةً مَقْرونًا بالتَّقْوَى أوْ بالعَمَلِ.

فالمَقْرونُ بالإِيمانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] ، وكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] .

والمَقْرُونُ بالإِسْلَامِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [البقرة: 112] ، وكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} الآيَةَ [لقمان: 22] .

والمَقْرُونُ بالتَّقْوَى: كقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .

وقَدْ يُذْكَرُ مُفْرَدًا، كقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] . وقَدْ ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَفْسِيرُ الزِّيَادَةِ بالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الجَنَّةِ، وهَذَا مُنَاسِبٌ لِجَعْلِهِ جَزَاءً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ هوَ أنْ يَعْبُدَ المُؤْمِنُ رَبَّهُ فِي الدُّنيا عَلَى وَجْهِ الحُضُورِ والمُرَاقَبَةِ، كَأَنَّهُ يَرَاهُ بقَلْبِهِ ويَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي حَالِ عِبَادَتِهِ، فَكَانَ جَزَاءُ ذَلِكَ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ عِيَانًا فِي الآخِرَةِ.

وعَكْسُ هَذَا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ جَزَاءِ الكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المُطَفِّفِينَ: 15] ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً لحَالِهِم فِي الدُّنيا، وهوَ تَرَاكُمُ الرَّانِ عَلَى قُلُوبِهِم، حَتَّى حُجِبَتْ عنْ مَعْرِفَتِهِ ومُرَاقَبَتِهِ فِي الدُّنيا، فَكَانَ جَزَاؤُهُم عَلَى ذَلِكَ أَنْ حُجِبُوا عَنْ رُؤْيَتِهِ فِي الْآخِرَةِ.

فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ الإِحْسَانِ: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ... ) )إلخ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ العَبْدَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وهيَ اسْتِحْضَارُ قُرْبِهِ، وأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ الخَشْيَةَ والخَوْفَ والهَيْبَةَ والتَّعْظِيمَ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (( أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ) ). ويُوجِبُ أيضًا النُّصْحَ فِي العِبَادَةِ، وبَذْلَ الجُهْدِ فِي تَحْسِينِهَا وإِتْمَامِهَا وإِكْمَالِهَا.

وقَدْ وَصَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، كَمَا رَوَى إِبْرَاهِيمُ الْهَجَرِيُّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ أَخْشَى اللَّهَ كَأَنِّي أَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَانِي.

ورُوِيَ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: (( اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ) ). خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ. ويُرْوَى مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: (( كُنْ كَأَنَّكَ تَرَى اللَّهَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) ).

وخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ واجْعَلْهُ مُوجَزًا، فَقَالَ: (( صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ؛ فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) ).

وفي حَدِيثِ حَارِثَةَ المَشْهُورِ -وقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ مُرْسَلَةٍ، وَرُوِيَ مُتَّصِلًا، والمُرْسَلُ أَصَحُّ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (( كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ ) )قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ: (( انْظُرْ مَا تَقُولُ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَزَفَتْ نَفْسِي عَن الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا، قَالَ: (( أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ ) ).

ويُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَصَّى رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: (( اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ اسْتِحْيَاءَكَ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي عَشِيرَتِكَ لَا يُفَارِقَانِكَ ) ). ويُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت