سِوَاهُمَا، والمَحَبَّةُ فِي اللَّهِ والبُغْضُ فِي اللَّهِ، والعَطَاءُ لهُ والمَنْعُ لهُ، وأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الحَرَكَاتِ والسَّكَناتِ لهُ، وسَمَاحَةُ النُّفوسِ بالطَّاعةِ المَالِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، والاسْتِبْشَارُ بعَمَلِ الحَسَنَاتِ والفَرَحُ بِهَا، وَالمَسَاءَةُ بعَمَلِ السَّيِّئاتِ والحُزْنُ عَلَيْهَا، وإِيثَارُ المُؤْمِنِينَ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى أَنْفُسِهِم وأَمْوَالِهِم، وكَثْرَةُ الحَيَاءِ، وحُسْنُ الخُلُقِ، ومَحَبَّةُ ما يُحِبُّهُ لنَفْسِهِ لِإِخْوَانِهِ المُؤْمِنِينَ، ومُوَاسَاةُ المُؤْمِنِينَ خُصُوصًا الجِيرَانَ، ومُعَاضَدَةُ المُؤْمِنِينَ ومُنَاصَرَتُهُم، والحُزْنُ بِمَا يُحْزِنُهم.
ولْنَذْكُرْ بَعْضَ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ بذَلِكَ:
فأَمَّا مَا وَرَدَ فِي دُخُولِهِ فِي اسْمِ الْإِسْلَامِ، ففي (مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ) وَ (النَّسائِيِّ) : عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ حَيْدَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ؟ قَالَ: (( الْإِسْلَامُ ) )، قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: (( أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ، وَأَنْ تُوَجِّهَ وَجْهَكَ إِلَى اللَّهِ، وَتُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ) ). وفي رِوَايَةٍ لَهُ: قُلْتُ: وَمَا آيَةُ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: (( أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ حَرَامٌ ) ).
وفي السُّنَنِ: عَن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى: (( ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ) )، فأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ الخِصَالَ تَنْفِي الغِلَّ عَنْ قَلْبِ المُسْلِمِ.
وفي (الصَّحِيحَيْنِ) : عنْ أَبِي مُوسَى، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ المُسْلِمينَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: (( مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) ). وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) : عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ فَلَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ ) ).
وأمَّا ما وَرَدَ فِي دُخُولِهِ فِي اسْمِ الإِيمانِ، فمِثْلُ قَوْلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4] ، وقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16] ، وقَوْلِهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ، وقَوْلِهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] ، وقَوْلِهِ: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمرانَ: 175] .
وفي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) : عن العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) ).
والرِّضَا برُبُوبِيَّةِ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بعِبَادَتِهِ وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، والرَّضَا بتَدْبِيرِهِ للعَبْدِ واخْتِيَارِهِ لَهُ.
والرِّضَا بالْإِسْلَامِ دِينًا يَقْتَضِي اخْتَيَارَهُ علَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ.
والرِّضا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَقْتَضِي الرِّضا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وقَبُولَ ذَلِكَ بالتَّسليمِ والانْشِرَاحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
وفي (الصَّحِيحَيْنِ) : عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ) ). وفي رِوَايَةٍ: (( وَجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ الْإِيمَانِ ) ). وفي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( طَعْمَ الْإِيمَانِ وَحَلَاوتَهُ ) ).