الصفحة 25 من 391

وفي (سُنَنِ ابنِ مَاجَهْ) : عنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( يَا عَدِيُّ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ) )، قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: (( تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا؛ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِهَا وَمُرِّهَا ) )، فهذا نَصٌّ فِي أنَّ الإِيمَانَ بالقَدَرِ مِن الْإِسْلَامِ.

ثُمَّ إِنَّ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ نِزَاعٍ، ولَيْسَ المُرَادُ الإِتْيانَ بِلَفْظِهِمَا دُونَ التَّصْدِيقِ بِهِمَا، فَعُلِمَ أنَّ التَّصْدِيقَ بِهِمَا دَاخِلٌ فِي الْإِسْلَامِ. وقَدْ فَسَّرَ الْإِسْلَامَ المَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمرانَ: 19] بالتَّوحِيدِ والتَّصْدِيقِ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ؛ مِنْهُم مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ.

وأَمَّا إِذَا نُفِيَ الْإِيمَانُ عَنْ أَحَدٍ وأُثْبِتَ لَهُ الْإِسْلَامُ، كالْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُم؛ فَإِنَّهُ يَنْتَفِي رُسُوخُ الإِيمانِ فِي القَلْبِ، وتَثْبُتُ لَهُم المُشَارَكَةُ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ مَعَ نَوْعِ إِيمَانٍ يُصَحِّحُ لَهُم العَمَلَ؛ إِذْ لَوْلَا هَذَا القَدْرِ مِن الإِيمانِ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، وإنَّما نُفِيَ عَنْهُم الإِيمانُ؛ لانْتِفَاءِ ذَوْقِ حَقَائِقِهِ، ونَقْصِ بَعْضِ واجِبَاتِهِ. وهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ الْقَائِمَ بالقُلُوبِ مُتَفَاضِلٌ. وهَذَا هوَ الصَّحِيحُ، وهوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ فإِنَّ إيمانَ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ يَتَجَلَّى الغَيْبُ لِقُلُوبِهِم حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ شَهَادَةٌ، بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ ولَا الارْتِيَابَ، لَيْسَ كإِيمَانِ غَيْرِهم مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ بِحَيْثُ لَوْ شُكِّكَ لدَخَلَهُ الشَّكُّ؛ ولِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرْتَبَةَ الْإِحْسَانِ أنْ يَعْبُدَ العَبْدُ رَبَّهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وهَذَا لَا يَحْصُلُ لِعُمُومِ المُؤْمِنِينَ. ومِنْ هنا قَالَ بَعْضُهُم: مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، ولَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ.

وسُئِلَ ابنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَت الصَّحَابَةُ يَضْحَكُونَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، والْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِم أَمْثَالُ الجِبَالِ. فَأَيْنَ هَذَا مِمَّن الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ يَزِنُ ذَرَّةً أوْ شَعِيرَةً؟! كالَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ أهلِ التَّوحيدِ مِن النَّارِ، فهؤلاءِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: لَمْ يَدْخُل الإِيمانُ فِي قُلُوبِهِم؛ لضَعْفِهِ عِنْدَهُم. وهَذِهِ المَسَائِلُ -أَعْنِي مَسَائِلَ الْإِسْلَامِ والْإِيمَانِ والكُفْرِ والنِّفَاقِ- مَسَائِلُ عَظِيمَةٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَّقَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ السَّعَادَةَ والشَّقَاوَةَ، واسْتِحْقَاقَ الجَنَّةِ والنَّارِ.

والاخْتِلَافُ فِي مُسَمَّياتِهَا أوَّلُ اخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وهوَ خِلَافُ الخَوَارِجِ للصَّحَابَةِ؛ حَيْثُ أَخْرَجُوا عُصَاةَ المُوَحِّدِينَ مِن الإِسْلَامِ بالكُلِّيَّةِ، وأَدْخَلُوهُم فِي دَائِرَةِ الكُفْرِ، وعَامَلُوهُم مُعَامَلَةَ الكُفَّارِ، واسْتَحَلُّوا بذَلِكَ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ وأَمْوَالَهُم. ثُمَّ حَدَثَ بعدَهم خِلَافُ المُعْتَزِلَةِ وقَوْلُهُم بالمَنْزِلَةِ بينَ المَنْزِلَتَيْنِ. ثُمَّ حَدَثَ خِلَافُ المُرْجِئَةِ وقَوْلُهم: إِنَّ الفَاسِقَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمانِ.

وقَدْ صَنَّفَ العُلَمَاءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا فِي هَذِهِ المَسَائِلِ تَصَانِيفَ مُتَعَدِّدةً، ومِمَّنْ صَنَّفَ فِي الإِيمانِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلفِ: الْإِمامُ أَحْمَدُ، وأَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ، وأَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ. وكَثُرَتْ فيهِ التَّصَانِيفُ بَعْدَهُم مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وقَدْ ذَكَرْنَا هَا هُنا نُكَتًا جَامِعَةً لأُصُولٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ المَسَائِلِ والاخْتِلَافِ فيهَا، وفيهِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- كِفَايَةٌ.

فَصْلٌ

قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ ومُسَمَّى الْإِيمَانِ أَيْضًا، وذَكَرْنَا مَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، ويَدْخُلُ فِي مُسَمَّاهَا أَيْضًا أَعْمَالُ الجَوَارِحِ البَاطِنَةِ.

فَيَدْخُلُ فِي أَعْمَالِ الإِسْلَامِ إِخْلَاصُ الدِّينِ للَّهِ، والنُّصْحُ لهُ ولعِبَادِهِ، وسَلَامَةُ القَلْبِ لَهُم مِن الغِشِّ والحَسَدِ والحِقْدِ، وتَوَابعُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى.

ويَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الإِيمانِ وَجَلُ القُلوبِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وخُشُوعُهَا عندَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ وكِتَابِهِ، وزِيَادَةُ الإِيمانِ بذلكَ، وتَحْقِيقُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وخَوْفُ اللَّهِ سِرًّا وعَلَانِيَةً، والرِّضَا باللَّهِ ربًّا، وبالْإِسْلَامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولًا، واخْتِيارُ تَلَفِ النُّفُوسِ بأَعْظَمِ أَنْواعِ الْآلَامِ علَى الكُفْرِ، واسْتِشْعَارُ قُرْبِ اللَّهِ مِن العَبْدِ، ودَوَامُ اسْتِحْضَارِهِ، وإِيثَارُ مَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلَى مَحَبَّةِ مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت