الْقَلبُ )) . فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَلْبُ بِالْإِيمَانِ إِلَّا وَتَنْبَعِثُ الْجَوَارِحُ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ. ولَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا؛ فإنَّهُ قَدْ يَكُونُ الإِيمانُ ضَعِيفًا، فَلَا يَتَحَقَّقُ القَلْبُ بِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا مَعَ عَمَلِ جَوَارِحِهِ بأعْمَالِ الإِسلامِ، فيَكُونُ مُسْلِمًا ولَيْسَ بِمُؤْمِنٍ الإِيمانَ التَّامَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحُجُرَات: 14] ، ولَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، وهوَ قَوْلُ ابنِ عبَّاسٍ وغَيْرِهِ، بلْ كَانَ إِيمَانُهم ضَعِيفًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [الحُجُرات: 14] ، يَعْنِي: لَا يَنْقُصُكُم مِنْ أُجُورِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعَهُم مِن الإِيمانِ مَا تُقْبَلُ بِهِ أَعْمَالُهُم.
وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لسَعْدِ بنِ أَبِي وقَّاصٍ لَمَّا قَالَ لَهُ: لَمْ تُعْطِ فُلَانًا وهوَ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( أَوْ مُسْلِمٌ ) )، يُشِيرُ إِلَى أنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَقَامَ الإِيمانِ، وإنَّما هوَ فِي مَقَامِ الإِسْلَامِ الظَّاهِرِ. ولَا رَيْبَ أنَّهُ مَتَى ضَعُفَ الإِيمانُ البَاطِنُ لَزِمَ منهُ ضَعْفُ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ أيضًا، لكنَّ اسْمَ الإِيمانِ يُنْفَى عَمَّنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) ).
وقَد اخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ: هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا نَاقِصَ الإِيمانِ، أوْ يُقَالُ: لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لَكِنَّهُ مُسْلِمٌ، عَلَى قَوْلَيْنِ، وهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
وأَمَّا اسْمُ الإِسْلَامِ، فَلَا يَنْتَفِي بانْتِفَاءِ بَعْضِ واجِبَاتِهِ، أو انْتِهَاكِ بَعْضِ مُحَرَّمَاتِهِ. وإنَّما يُنْفَى بالإِتْيانِ بِمَا يُنافِيهِ بالكُلِّيَّةِ. ولا يُعرَفُ فِي شَيْءٍ مِن السُّنَّةِ الصَّحيحةِ نَفْيُ الإِسْلَامِ عَمَّنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، كَمَا يُنْفَى الإِيمانُ عمَّنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ، وإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ إِطْلَاقُ الكُفْرِ علَى فِعْلِ بَعْضِ المُحَرَّماتِ، وإِطْلَاقُ النِّفَاقِ أيضًا.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ يُسَمَّى مُرْتَكِبُ الكَبَائِرِ كَافِرًا كُفْرًا أَصْغَرَ أوْ مُنَافِقًا النِّفَاقَ الْأَصْغَرَ، ولا أَعْلَمُ أنَّ أَحَدًا منهم أَجَازَ إِطْلَاقَ نَفْيِ اسْمِ الإِسْلَامِ عنْهُ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَالَ: مَا تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّهُ كَانَ يَرَاهُ كَافِرًا بذَلِكَ خَارِجًا مِن الْإِسْلَامِ.
وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِيمَنْ تَمَكَّنَ مِن الحَجِّ وَلَمْ يَحُجَّ أَنَّهُم لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ. والظَّاهِرُ أنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ كُفْرَهم؛ ولِهَذَا أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِم الجِزْيَةَ يَقُولُ: لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدُ، فَهُم مُسْتَمِرُّونَ عَلَى كِتَابِيَّتِهِم.
وإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ الْإِسْلَامِ لَا يَنْتَفِي إلَّا بوُجُودِ ما يُنافِيهِ ويُخْرِجُ عن المِلَّةِ بالكُلِّيَّةِ، فاسمُ الإِسلامِ إِذَا أُطْلِقَ أو اقْتَرَنَ بهِ المَدْحُ دَخَلَ فيهِ الإِيمانُ كُلُّهُ مِن التَّصْدِيقِ وغَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ.
وخَرَّجَ النَّسائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ مَالِكٍ، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَغَارَتْ عَلَى قَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُم: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِن السَّريَّةِ، فَنُمِيَ الحديثُ إِلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ فيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّما قَالَهَا تَعَوُّذًا مِن القَتْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ أَبَى عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ مُؤْمِنًا ) )ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
فلَوْلَا أَنَّ الْإِسْلَامَ المُطْلَقَ يَدْخُلُ فيهِ الْإِيمَانُ والتَّصْدِيقُ بالْأُصُولِ الخَمْسَةِ، لَمْ يَصِرْ مَنْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ، مُؤْمِنًا بِمُجَرَّدِ هَذَا القَوْلِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عنْ مَلِكَةِ سَبَأٍ أنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] ، وأَخْبَرَ عنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أنَّهُ دَعَا بالمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ. وهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ المُطْلَقَ يَدْخُلُ فيهِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ مِن التَّصْدِيقِ.