الصفحة 20 من 391

واخْتَلَفَت الرِّوَايَةُ في تَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وعَكْسِهِ، ففي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ بَدَأَ بالسُّؤَالِ عَن الْإِسْلَامِ، وفي التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ بَدَأَ بالسُّؤَالِ عن الْإِيمَانِ، كَمَا في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وجَاءَ في بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ عُمَرَ أنَّهُ سَأَلَ عَن الْإِحْسَانِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ والإِيمَانِ. فَأَمَّا الْإِسْلَامُ، فَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بأَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ مِن القَوْلِ والعَمَلِ، وأَوَّلُ ذَلِكَ: شَهَادَةُ أنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وهوَ عَمَلُ اللِّسانِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وصَوْمُ رَمَضَانَ، وحَجُّ البَيْتِ لِمَن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

وهيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى عَمَلٍ بَدَنِيٍّ كالصَّلَاةِ والصَّوْمِ، وإِلَى عَمَلٍ مَالِيٍّ، وهوَ إِيتَاءُ الزَّكاةِ، وإِلَى مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْهُما كالحَجِّ بالنِّسْبَةِ إِلَى البَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ.

وفي رِوَايَةِ ابنِ حِبَّانَ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الاعْتِمَارَ، والغُسْلَ مِن الجَنَابَةِ، وإِتْمَامَ الوُضُوءِ. وفي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ دَاخِلَةٌ في مُسَمَّى الْإِسْلَامِ.

وإنَّما ذَكَرَ ها هُنا أُصُولَ أَعْمَالِ الإِسلامِ الَّتِي يَنْبَنِي الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا، كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ) )في مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وقَوْلُهُ في بَعْضِ الرَّواياتِ: فإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: (( نَعَمْ ) )، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَمَّلَ الْإِتْيَانَ بِمَبَانِي الْإِسْلَامِ الخَمْسِ صَارَ مُسْلِمًا حَقًّا، مَعَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بالشَّهَادَتَيْنِ صَارَ مُسْلِمًا حُكْمًا، فَإِذَا دَخَلَ في الإِسْلَامِ بذلكَ أُلْزِمَ بالقِيَامِ ببَقِيَّةِ خِصالِ الإِسلامِ، ومَنْ تَرَكَ الشَّهادَتَيْنِ خَرَجَ مِنَ الإِسلامِ، وفي خُرُوجِهِ مِن الإِسْلَامِ بتَرْكِ الصَّلَاةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ العُلَمَاءِ، وكَذَلِكَ في تَرْكِ بَقِيَّةِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الخَمْسِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

ومِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ تَدْخُلُ في مُسَمَّى الْإِسْلَامِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) ).

وفي (الصَّحِيحَيْنِ) : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (( أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) ).

وفي (صَحِيحِ الحَاكِمِ) : عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَسْلِيمُكَ عَلَى بَنِي آدَمَ إِذَا لَقِيتَهُمْ وَتَسْلِيمُكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِم، فَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَهُوَ سَهْمٌ مِنَ الْإِسْلَامِ تَرَكَهُ، وَمَنْ يَتْرُكْهُنَّ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ) ).

وخَرَّجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( لِلْإِسْلَامِ ضِيَاءٌ وَعَلَامَاتٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَرَأْسُهَا وَجِمَاعُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتَمَامُ الْوُضُوءِ، وَالْحُكْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَتَسْلِيمُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَتَسْلِيمُكُمْ عَلَى أَهْلِيكُمْ إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكُمْ، وَتَسْلِيمُكُمْ عَلَى بَنِي آدَمَ إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ ) ). وفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، ولَعَلَّهُ مَوْقُوفٌ.

وصَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بنِ زُفَرَ، عنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ: الإِسلامُ سَهْمٌ، والصَّلَاةُ سَهْمٌ، والزَّكَاةُ سَهْمٌ، وحَجُّ البَيْتِ سَهْمٌ، والجِهَادُ سَهْمٌ، وصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ، والْأَمْرُ بالمَعْرُوفِ سَهْمٌ، والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ سَهْمٌ، وخَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ. وخَرَّجَهُ البَزَّارُ مَرْفُوعًا، والمَوْقُوفُ أَصَحُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت