الصفحة 19 من 391

إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، ويَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِم، وأنَّهم يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ. فَقَالَ: إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فأَخْبِرْهُم أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُم، وأنَّهم بُرَآءُ مِنِّي، والَّذي يَحْلِفُ بهِ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، لوْ أَنَّ لأَحَدِهِم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ منهُ حتَّى يُؤمِنَ بالقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بنُ الخطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فذَكَرَ الحَدِيثَ بطُولِهِ.

ثُمَّ خَرَّجَهُ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، بَعْضُها يَرْجِعُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، وبَعْضُها يَرْجِعُ إِلَى يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ، وذَكَرَ أنَّ في بَعْضِ ألْفَاظِهَا زِيَادَةً ونَقْصًا.

وقَدْ خَرَّجَهُ ابنُ حِبَّانَ فِي (صَحِيحِهِ) مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ. وقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، إلَّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ، وفيهِ زِيَادَاتٌ منها: في الإِسْلَامِ قَالَ: (( وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَأَنْ تُتِمَّ الْوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ) )، قالَ: فَإِذَا أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قالَ: (( نَعَمْ ) ). وقَالَ في الْإِيمَانِ: (( وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمِيزَانِ ) )، وقَالَ فيهِ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟ قالَ: (( نَعَمْ ) ).

وقَالَ في آخِرِهِ: (( هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ، خُذُوا عَنْهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى ) ).

وخَرَّجَاهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا بَارِزًا للنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: (( الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: (( الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (( مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْراطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْعُرَاةَ الْحُفَاةَ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ) ). ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لُقْمَان: 34] . قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( عَلَيَّ بِالرَّجُلِ ) ). فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ ) ).

وخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بسِيَاقٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا. وفيهِ في خِصَالِ الْإِيمانِ: (( وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ ) )، وقَالَ في الْإِحْسَانِ: (( أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ) ).

وخَرَّجهُ الْإِمامُ أَحْمَدُ في (مُسْنَدِه) مِنْ حَدِيثِ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَن ابنِ عَبَّاسٍ. ومِنْ حَدِيثِ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ أَيْضًا عَن ابنِ عَامِرٍ أوْ أَبِي عَامِرٍ، أوْ أَبِي مَالِكٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي حَدِيثِهِ قَالَ: وَنَسْمَعُ رَجْعَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَلَا نَرَى الَّذِي يُكَلِّمُهُ، وَلَا نَسْمَعُ كَلَامَهُ. وهَذَا يَرُدُّهُ حَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وهوَ أَصَحُّ.

وقَدْ رُوِيَ الحَدِيثُ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وجَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ وغَيْرِهِمَا.

وهوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جِدًّا، يَشْتَمِلُ عَلَى شَرْحِ الدِّينِ كُلِّهِ؛ ولِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخِرِهِ: (( هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ) )، بَعْدَ أنْ شَرَحَ دَرَجَةَ الْإِسْلَامِ ودَرَجَةَ الْإِيمَانِ ودَرَجَةَ الْإِحْسَانِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت