ورَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَن أَبِي إِسْحَاقَ، عن الحَارِثِ عَن عَلِيٍّ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. خَرَّجَهُ أَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ وغَيْرُهُ، والمَوْقُوفُ عَلَى حُذَيْفَةَ أَصَحُّ. قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ: (الْإِسْلَامُ سَهْمٌ) ، يَعْنِي: الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّهما عَلَمُ الإِسْلَامِ، وبِهِمَا يَصِيرُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا.
وكَذَلِكَ تَرْكُ المُحَرَّمَاتِ دَاخِلٌ في مُسمَّى الْإِسْلَامِ أَيْضًا، كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) )، وسَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ويَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَعْوَجُّوا. وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ. وَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقُ: وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ ) ). زَادَ التِّرْمِذِيُّ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] .
فَفِي هَذَا المَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بالاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ، ونَهَى عَن تَجَاوُزِ حُدُودِهِ، وأَنَّ مَن ارْتَكَبَ شَيْئًا مِن المُحَرَّماتِ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَهُ.
وأَمَّا الْإِيمَانُ، فَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذَا الحَدِيثِ بِالاعْتِقَادَاتِ البَاطِنَةِ، فَقَالَ: (( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) ).
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ في كِتَابِهِ الإِيمانَ بِهَذِهِ الأُصُولِ الخَمْسَةِ في مَوَاضِعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] ، وقَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} الآيَةَ [البقرة: 277] ، وقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 3 - 4] .
والإِيمانُ بالرُّسُلِ يَلْزَمُ منهُ الإِيمانُ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرُوا بهِ مِن المَلَائِكَةِ، والْأَنْبِياءِ، والكِتَابِ، والبَعْثِ، والقَدَرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وصِفَاتِ اليَوْمِ الآخِرِ، كالمِيزَانِ والصِّراطِ والجنَّةِ والنَّارِ.
وقَدْ أُدْخِلَ في الإِيمانِ الإِيمانُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، ولِأَجْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ رَوَى ابنُ عُمَرَ هَذَا الحَدِيثَ مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى مَنْ أنْكَرَ القَدَرَ وزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، يَعْنِي: أنَّهُ مُسْتَأنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ سَابِقُ قَدَرٍ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وقَدْ غَلَّظَ ابنُ عُمَرَ عَلَيْهِم، وتَبَرَّأَ مِنْهُم، وأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ منهم أَعْمَالُهُم بدُونِ الإِيمانِ بالقَدَرِ.
والإِيمانُ بالقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: الإِيمانُ بأنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَبَقَ في عِلْمِهِ مَا يَعْمَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ خَيْرٍ وشَرٍّ، وطَاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، قَبْلَ خَلْقِهِم وإِيجَادِهِم، ومَنْ هُوَ مِنْهُم مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ومِنْ أهلِ النَّارِ، وأَعَدَّ لَهُم الثَّوابَ والعِقَابَ جَزَاءً لِأَعْمَالِهِم قَبْلَ خَلْقِهِم وتَكْوِينِهِم، وأنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عندَهُ وأَحْصَاهُ، وأنَّ أَعْمالَ العِبَادِ تَجْرِي عَلَى مَا سَبَقَ في عِلْمِهِ وكِتَابِهِ.
والدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَفْعَالَ عِبَادِهِ كُلَّهَا مِن الكُفْرِ والإِيمانِ، والطَّاعةِ والعِصْيانِ، وشَاءَها مِنْهُم. فهذهِ الدَّرَجَةُ يُثْبِتُها أَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، ويُنْكِرُهَا القَدَرِيَّةُ. والدَّرَجَةُ الأُولَى أَثْبَتَهَا كَثِيرٌ مِن القَدَرِيَّةِ، ونَفَاهَا غُلَاتُهم، كمَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ، الَّذِي سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عَنْ مَقَالَتِهِ، وكعمرِو بنِ عُبَيْدٍ وغَيْرِهِ.